الإرهاب في الساحل خطر يتجاوز الحدود؛ حيث تشهد منطقة الساحل الإفريقي تصاعدًا غير مسبوق في وتيرة العنف المسلح والتطرف الديني، ما جعلها واحدة من أكثر المناطق هشاشة في العالم. فلم تعد هذه الظاهرة محصورة في حدود مالي أو النيجر أو بوركينا فاسو؛ بل باتت تهدد استقرار دول الجوار، والأمن الإقليمي والدولي.
في ظل هذا الواقع، بات من الضروري التفكير في مقاربات جديدة تتجاوز الحلول العسكرية، وتدمج البعد الفكري والديني في استراتيجية المواجهة، وهنا تبرز شريحة دارسي اللغة العربية والحضارة الإسلامية كقوة فكرية وروحية يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تفكيك الخطاب المتطرف، وبناء خطاب بديل يعزز السلم والتماسك المجتمعي.
وبالرغم من الانتشار الواسع للتعليم العربي الإسلامي في غرب إفريقيا، إلا أن خريجيه يعانون من التهميش المؤسسي، وغياب فرص الاندماج في مؤسسات الدولة. هذا التهميش، إلى جانب غياب استراتيجيات واضحة لتوظيفهم، جعل بعضهم عرضة للاستقطاب من قبل الجماعات المتطرفة.
فكيف يمكن تحويل هذه الشريحة إلى قوة فكرية فاعلة في مواجهة الإرهاب؟ وما هي الآليات التي تتيح التعاون بين مؤسسات التعليم العربي ومدرسة لحفظ السلام عليون بلوندان باي في باماكو في باماكو وغيرها من المراكز الفكرية في دول الساحل؟ وما هي التحديات التي تعيق هذا التعاون، وما الحلول المقترحة لتجاوزها؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات، يعالج المقال ستة محاور أساسية، تبدأ بتحليل السياق الإقليمي والدولي لظاهرة الإرهاب في الساحل، ثم تناقش واقع دارسي اللغة العربية بين التهميش والفرص المهدرة، قبل التوقف عند التأطير الديني المعتدل كنموذج عملي لمواجهة التطرف. كما يتناول المقال دور البحث العلمي العربي في دعم السلم المجتمعي، ويحلل التحديات والفرص التي تحكم هذا المسار التكاملي، ليُختتم باقتراح استراتيجيات عملية لدمج دارسي العربية في جهود مكافحة الإرهاب وصناعة السلام.
أولًا: السياق الإقليمي والدولي لظاهرة الإرهاب في الساحل
تُعد منطقة الساحل من أكثر المناطق هشاشة في العالم، حيث تتقاطع فيها أزمات الفقر، والتهميش، وضعف الدولة، مع انتشار السلاح وغياب التنمية، وقد استغلت الجماعات المتطرفة هذه البيئة لتجنيد الشباب، مستندة إلى خطاب ديني مشوه، يبرر العنف باسم الدين.
وعلى الرغم من الجهود العسكرية التي تقودها دول التحالف الإقليمي بدعم دولي، إلا أن النتائج على الأرض لا تزال محدودة، فكلما تم القضاء على مجموعة مسلحة، ظهرت أخرى بخطاب أكثر تطرفًا، هذا ما دفع العديد من الخبراء إلى الدعوة لمقاربات شاملة، تدمج البعد الفكري والديني في استراتيجية مكافحة الإرهاب.
ثانيًا: دارسو العربية… بين التهميش والفرصة الضائعة
في معظم دول غرب إفريقيا، يشكل دارسو اللغة العربية نسبة معتبرة من الشباب، خاصة في المناطق الريفية والحدودية. هؤلاء تلقوا تعليمهم في مدارس قرآنية أو معاهد عربية، وغالبًا ما يتقنون اللغة العربية ويمتلكون خلفية دينية قوية. لكنهم، في المقابل، يعانون من:
- تهميش مؤسسي: حيث لا تُعترف بشهاداتهم في سوق العمل الرسمي.
- نقص التأهيل المهني: لغياب برامج تربط التعليم العربي بسوق العمل.
- الفراغ الوظيفي: ما يجعلهم عرضة للفراغ الفكري والاستقطاب.
- الوصم المجتمعي: حيث يُنظر إليهم أحيانًا كأشخاص غير مندمجين في المشروع الوطني.
وبالرغم من هذه التحديات، فإن هذه الشريحة تملك إمكانات هائلة إذا ما تم توجيهها وتأطيرها، خاصة في مجال محاربة الفكر المتطرف.
ثالثًا: التأطير الديني المعتدل كأداة لمواجهة التطرف
ومع الانتقال من تشخيص الإشكال إلى عرض التجارب العملية القابلة للتعميم، يبرز التأطير الديني المعتدل بوصفه إحدى الأدوات الفكرية الأكثر فاعلية في مواجهة الخطاب المتطرف داخل المجتمعات الهشة.
وفي هذا السياق، تُعد مدرسة لحفظ السلام عليون بلوندان باي في باماكو في باماكو من أبرز المؤسسات التي تسعى إلى ترسيخ خطاب ديني وسطي في المنطقة، حيث نجحت في تكوين أئمة ودعاة قادرين على تفكيك الفكر المتطرف بالحجة والبرهان، اعتمادًا على مرجعية دينية معتدلة ومتجذّرة في السياق المحلي.
وانطلاقًا من هذه التجربة النموذجية، يمكن لمؤسسات التعليم العالي بالعربية في دول الساحل أن تتعاون مع مدرسة لحفظ السلام عليون بلوندان باي في باماكو في عدة مجالات:
- برامج تكوين مشتركة: لتأهيل الخريجين في مجالات الخطابة، الوساطة، والتربية على السلم.
- بحوث أكاديمية مشتركة: حول أسباب التطرف وسبل مواجهته.
- إعداد مناهج موحدة: تعزز قيم التسامح والعيش المشترك.
- إطلاق حملات توعية مجتمعية: يقودها خريجو العربية في القرى والمناطق النائية.
- تبادل الأساتذة والخبرات: بين الجامعات والمدارس الدينية.
رابعًا: استثمار البحث العلمي العربي في خدمة السلم
تنتج الجامعات والمعاهد العربية في غرب إفريقيا مئات البحوث سنويًا، لكن كثيرًا منها لا يجد طريقه إلى التطبيق. يمكن تحويل هذه البحوث إلى أدوات فكرية فعالة عبر:
- توجيه مواضيع التخرج نحو قضايا الأمن الفكري.
- تشجيع البحوث التطبيقية المرتبطة بالتنمية والسلم.
- إطلاق جوائز وطنية لأفضل البحوث في مجال مكافحة التطرف.
- إنشاء مراكز بحثية متخصصة في الفكر الديني والسلم المجتمعي.
- تشجيع النشر العلمي باللغة العربية في مجلات محكمة تعالج قضايا المنطقة.
خامسًا: التحديات والفرص أمام هذا التعاون
على الرغم من الإمكانات التي يتيحها التعاون بين مؤسسات التعليم العربي والمبادرات المعنية بالتأطير الديني المعتدل، فإن تفعيله العملي يظل محكومًا بجملة من التحديات البنيوية والمؤسسية، التي تحد من فعاليته واستدامته، ومن أبرزها:
- ضعف التمويل والدعم المؤسسي.
- غياب الاعتراف الرسمي بالشهادات العربية.
- التوجس السياسي من بعض المدارس الدينية.
- ضعف التنسيق بين وزارات التعليم والشؤون الدينية والأمن.
- نقص الكفاءات المؤهلة في مجال الوساطة الفكرية والدينية.
وفي المقابل، ورغم هذه العراقيل، تبرز مجموعة من الفرص الموضوعية التي يمكن البناء عليها لتعزيز هذا المسار وتطويره، لعل أهمها:
- دعم دولي متزايد لمقاربات غير عسكرية.
- استعداد الدول العربية للمساهمة في التمويل والتأطير.
- وجود كفاءات محلية ناطقة بالعربية.
- رغبة مجتمعية في خطاب ديني معتدل.
- إمكانية إدماج خريجي العربية في برامج التنمية الريفية والتعليم المجتمعي.
سادسًا: استراتيجيات عملية لدمج دارسي العربية في مكافحة الإرهاب
إنشاء وحدات بحثية مشتركة بين الجامعات العربية ومدرسة لحفظ السلام عليون بلوندان باي في باماكو لدراسة الظاهرة.
- إدماج خريجي العربية في برامج إعادة تأهيل المتطرفين داخل السجون ومراكز الإصلاح.
- إطلاق برامج تدريبية في الإعلام والتواصل لتمكينهم من التأثير عبر المنصات الرقمية.
- توظيفهم في التعليم المجتمعي خاصة في المناطق التي لا تصلها اللغة الفرنسية.
- ربطهم بمشاريع تنموية في الزراعة، الصحة، والتعليم، لتعزيز دورهم في التنمية المحلية.
الخلاصة
نحو استراتيجية شاملة لدمج دارسي العربية في صناعة السلام، إن دارسي اللغة العربية في غرب إفريقيا ليسوا عبئًا على الدولة، بل هم مورد بشري وثقافي يمكن أن يكون له دور محوري في مواجهة الإرهاب وصناعة السلام. المطلوب اليوم هو الاعتراف بهم، وتأهيلهم، ودمجهم في السياسات الوطنية، عبر شراكات أكاديمية ومجتمعية، وتعاون إقليمي مع مؤسسات رائدة مثل مدرسة لحفظ السلام عليون بلوندان باي في باماكو في باماكو.
وحدها المقاربة الشاملة، التي تدمج الأمن بالفكر، والعسكر بالحوار، يمكن أن تضع حدًا لهذا النزيف المستمر في جسد الساحل الإفريقي. واستنادًا إلى ما سبق من تحليل للواقع والتحديات والفرص، يمكن تقديم التوصيات التالية لصنّاع القرار والجهات المعنية:
- الاعتراف الرسمي بالتعليم العربي الإسلامي ومنح شهاداته اعتمادًا مؤسسيًا يتيح لحامليها الاندماج في سوق العمل والوظائف العمومية.
- إطلاق برامج وطنية لتأهيل خريجي العربية في مجالات الإعلام، الوساطة المجتمعية، التربية على السلم، وريادة الأعمال، بما يعزز مساهمتهم في التنمية ومكافحة التطرف.
- تعزيز التعاون الأكاديمي بين الجامعات العربية المحلية ومدرسة السلام في باماكو، من خلال اتفاقيات شراكة، تبادل الخبرات، وتنظيم مؤتمرات علمية مشتركة.
- توجيه البحوث الجامعية باللغة العربية نحو قضايا الأمن الفكري والتنمية المستدامة، مع تخصيص جوائز ومنح للبحوث التطبيقية ذات الأثر المجتمعي.
- إشراك خريجي العربية في حملات التوعية ومراكز إعادة التأهيل، خاصة في المناطق المتأثرة بالتطرف، لما لهم من قدرة على التواصل الثقافي والديني مع الفئات المستهدفة.
- إنشاء مراكز دراسات استراتيجية ناطقة بالعربية تُعنى بتحليل الظواهر الأمنية والاجتماعية في الساحل، وتقديم توصيات لصنّاع القرار بلغات محلية مفهومة.
- تشجيع الدول العربية على دعم هذه المبادرات من خلال التمويل، وتوفير الخبرات، وتسهيل التبادل الأكاديمي، في إطار شراكة جنوب-جنوب.
- دمج خريجي العربية في مشاريع التنمية الريفية، خاصة في مجالات الزراعة، التعليم المجتمعي، والصحة الوقائية، بما يعزز دورهم في الاستقرار المحلي.
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



























