حين تُشكِّل سلعة واحدة قرابة 80% من صادرات دولةٍ كاملة، فإنّ أيّ تعديل في طريقة إدارتها لا يُقرأ كإجراء إداري عابر، أو قرار سياسي مؤقت؛ ولكنْ كتحوّل يمسّ قلب الاقتصاد السياسي للدولة.
هذه هي حالة حوكمة قطاع التعدين في مالي؛ حيث يشير صندوق النقد الدولي إلى أنّ الذهب استحوذ على نحو 80% من إجمالي الصادرات خلال عام 2024م، وهو رقم وحده كفيل بتفسير حساسية أيّ قرار يطال هذا القطاع.
ضمن هذا السياق، اتخذتْ باماكو خطوة مهمة، أعادتْ من خلالها ترتيب مشهد حوكمة قطاع التعدين. ففي 19 يناير 2026م، أُعلن عن إنشاء منصب وزاري جديد رفيع المستوى مكلّف بالإشراف على القطاع، مع تعيين هيلير بيبيان ديارا (Hilaire Bébien Diarra)، وهو جيولوجي وقيادي سابق في شركة باريك غولد (Barrick Gold Corporation)، بتولي الإشراف على القطاع.
ولا تكمن أهمية الخطوة هذه في الاستحداث المؤسسي بحد ذاته، بقدر ما تتجسد في نقل صلاحيات الإشراف والرقابة من وزارة المناجم إلى مستوى أعلى مرتبط مباشرة برئاسة الدولة، بما يشمل متابعة تنفيذ قانون التعدين (Mining Code)، وتدقيق امتثال الشركات العاملة، ومراجعة تقارير التراخيص والإنتاج.
وقد جاءت هذه الخطوة بعد نحو عامين من تشديد الإطار القانوني عبر قانون التعدين لعام 2023 (Mining Code 2023)، وفي ظل مساعٍ رسمية معلنة لاستعادة مستحقات مالية متأخرة قُدّرت، وفق تغطيات إعلامية موثوقة، بنحو 1.2 مليار دولار أمريكي.
غير أنّ هذا التحول المؤسسي تزامن مع مؤشرات أكثر تعقيدًا، مثل: توترات مع شركات تعدين دولية، وتراجع ملحوظ في الإنتاج الصناعي للذهب، إذْ انخفض إنتاج عام 2025م بنحو 22.9% ليصل إلى 42.2 طنا مقارنة بـ 54.8 طنًا في 2024م، وفق أرقام أولية. هنا، تنتقل الأسئلة من مستوى النية إلى مستوى الأثر، وتحاول تسأل عن: هل تعبّر مركزية الإشراف عن محاولة لضبط الامتثال وتعظيم الإيرادات في ظرف مالي ضاغط، أم أنها تنقل المخاطر من باطن الأرض إلى فضاء القرار التنظيمي؟
ولهذه الأهمية، يهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على دلالات حوكمة قطاع التعدين في مالي في صيغتها الجديدة، بعيدا عن القراءة الانطباعية. وينطلق للإجابة عن ثلاثة تساؤلات مركزية تهمّ المستثمرين الأجانب، والفاعلين الرسميين العاملين في المنطقة، وصناع القرار، وهي:
- لماذا اتجهت مالي إلى مركزية الحوكمة الآن؟
- ماذا يتغيّر فعليّا في قواعد الاستثمار والتشغيل؟
- وكيف يمكن قياس استدامة هذا التحول ومخاطره عبر مؤشرات قابلة للرصد؟
لماذا اتجهت مالي إلى مركزية حوكمة الذهب؟
يُفهم قرار مركزية حوكمة الذهب في مالي بوصفه استجابة متأخرة لاختلالات تراكمت داخل نموذج إدارة الموارد. فالقطاع، رغم تحديث إطاره القانوني عبر (Mining Code 2023)، ظل يعيش فجوة تنفيذية واضحة بين النص والتطبيق. لقد انعكست هذه الفجوة في ضعف التحصيل، وتضارب المرجعيات الرقابية، وصعوبة فرض الامتثال الكامل على شركات كبرى تعمل بهوامش تفاوضية واسعة.
فالتوقيت بدوره ليس محايدًا، ففي عام 2025م تراجع الإنتاج الصناعي للذهب بنحو 22.9% ليبلغ 42.2 طنًا مقارنة بـ 54.8 طنّاً في عام 2024م، في وقت ازدادتْ فيه الحاجة إلى العملة الصعبة وتمويل الموازنة. لم يكن هذا التراجع تقنيّا فحسب؛ بل تزامن مع نزاعات تنظيمية ومالية مع شركات تعدين دولية، ما جعل كلفة عدم الحسم” أعلى من كلفة إعادة تنظيم القرار.
ضمن هذا السياق، صدر في 19 يناير 2026م مرسوما بإنشاء منصب وزاري بمستوى رفيع للإشراف على التعدين، وتعيين صاحب خبرة في المجال (هيلير بيبيان ديارا) للإشراف عليه. فجوهر الخطوة تمثّل في نقل صلاحيات المتابعة والرقابة من وزارة المناجم إلى مستوى أعلى مرتبط مباشرة بالرئاسة، بما يشمل تفسير بنود القانون، وتدقيق التقارير، ومتابعة الامتثال.
فالمنطق السياساتي هنا واضح، وهو: تقليص تعدد مراكز القرار لتسريع الإنفاذ. غير أنّ هذا المنطق يخلط بين هدفين متداخلين، تعظيم الإيرادات وإحكام السيطرة. فالسلطات قد ترى أنّ الإيرادات لا تُضبط دون مركزية القرار، بينما يقرأ الفاعلون الخارجيون المركزية كتحول في ميزان القوة التنظيمية. هذا التباين في القراءة هو ما يفسّر حساسية الخطوة منذ لحظتها الأولى.
ماذا يتغير فعليًا للمستثمرين في قطاع التعدين؟
من زاوية الأثر المباشر، يتغير أولًا موقع القرار. فالمركزية تعني أنّ سلطة التفسير والتنفيذ باتت أكثر تركّزًا، وأنّ القنوات الإدارية المتعددة استُبدلتْ بمرجعية واحدة أعلى وزنًا. هذا يقلّص الغموض الإجرائي من ناحية؛ لكنه يرفع كلفة أيّ خلاف تنظيمي من ناحية أخرى؛ لأنّ مساحة المناورة تضيق بشكل كبير.
ففي ملف التراخيص، لا تُسجّل تغييرات شكلية فورية، غير أنّ الإشارة العملية هي تشديد التدقيق. فالمتابعة المركزية تعني مراجعة أدق لبيانات الإنتاج والكُلف، وربطًا أوثق بين الرخص والالتزامات المالية. كما تعني قابلية أعلى لإعادة فتح ملفات مستحقات سابقة، وهو ما يثير تساؤلات حول الأثر الزمني للتطبيق حتى دون نص صريح على رجعية الإجراءات.
وعلى صعيد الضرائب والإتاوات، فالاتجاه ليس رفع المعدلات بقدر ما هو فرض الامتثال الكامل. فالرسالة التنظيمية تُقرأ على انّ القواعد القائمة ستُطبّق حرفيًا. هذا التحول من تساهل تطبيقي إلى صرامة تنظيمية يُغيّر افتراضات الربحية قصيرة الأجل، ويستدعي إعادة تسعير المخاطر التنظيمية في نماذج الأعمال.
هنا يبرز السؤال الأهم، وه: هل هذا القرار تنظيم أم تدخل في الأنشطة الاقتصادية؟ الجواب العملي أنّ المرحلة تحمل الاثنين معاً. فالتنظيم يُقاس بوضوح القواعد وثباتها، أمّا التدخل فيظهر حين تصبح القرارات ظرفية أو غير قابلة للتنبؤ. وما سيحسم توصيف البيئة ليس الإعلان عن المركزية؛ بل انتظام تطبيقها عبر حالات متشابهة وبنتائج متسقة.
كيف تُقاس جدية واستدامة هذا التحول؟
الحكم على المركزية لا يتم بالخطابات؛ بل بالمؤشرات. والمؤشر الأول هو استقرار الإطار التنظيمي، أيْ صدور تعليمات تطبيقية مكتوبة، واحترام الآجال الإدارية، وتوحيد تفسير بنود (Mining Code). فأيّ تذبذب في هذه العناصر سيرفع علاوة المخاطر فوراً، وقد يعرقل تنفيذ المركزية بالشكل المرغوب.
المؤشر الثاني هو إدارة النزاعات. فقطاع التعدين يولّد خلافات بطبيعته، فالأهم هو المسار الواضح. لأن الاعتماد على آليات قانونية واضحة وقابلة للتوقع يخفض المخاطر، بينما القرارات الإدارية الفوقية تزيدها. فطريقة التعامل مع أول نزاع كبير بعد المركزية ستكون اختباراً فاحصا للثقة.
المؤشر الثالث يرتبط بالإنتاج والاستمرارية التشغيلية، فإذا أدّت الصرامة إلى تعطيل العمليات أو تعميق تراجع الإنتاج، فإنّ المفاضلة بين السيطرة والإيرادات ستنقلب ضد الهدف المالي نفسه. أمّا إذا صاحبتْ المركزية مع استقرار تشغيلي وتحسن في الامتثال دون تعطيل، فستُقرأ كإعادة توازن.
وأخيرًا، مسألة الزمن تبقى هي الفيصل الصامت. لأنّ الاستدامة لا تعني الديمومة؛ بل تعني القدرة على التحول من إدارة أزمة إلى نموذج حوكمة ثابت. فعند هذه النقطة فقط نستطيع أنْ نحكم إنْ كانت مركزية الإشراف على الذهب في مالي أداة تصحيح مؤسسية أم مصدر مخاطرة هيكلية في بيئة تنظيمية حسّاسة.
الخاتمة والسيناريوهات المحتملة
يُظهر تحليل مركزية الإشراف على الذهب في مالي أنّ الخطوة في جوهرها ليست إعلانًا عن قطيعة تنظيمية بقدر ما هي إعادة تموضع للسلطة داخل منظومة حوكمة مضغوطة. فالقرار يستجيب لاختلالات تنفيذية حقيقية؛ لكنه في الوقت ذاته يعيد توزيع المخاطر بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين بدل إلغائها.
وعليه، فإنّ تقييمه لا يرتبط بما تهدف إليه السلطات؛ ولكن يتعلق بكيفية ترجمة الهدف إلى قواعد تشغيل مستقرة. وبناء عليه، يمكننا تمييز ثلاثة مسارات محتملة، وهي:
- مركزية قابلة للتوقع: هذا المسار يُنتج انتظاما في التطبيق، وتوحيدا للتفسير، وتحسنا تدريجيّاً في الامتثال دون تعطيل العمليات. ففي هذا السيناريو، تتحول المركزية إلى أداة استقرار مؤسسي.
- مركزية تنفيذية متشددة: هذه المركزية تتسم بتقلّب القرارات وارتفاع الكلفة التنظيمية، ما يدفع إلى إعادة تسعير المخاطر ويضغط على الإنتاج والاستثمار.
- مركزية ظرفية قصيرة الأمد: في هذا المسار، تُستخدم المركزية لتحقيق أهداف مالية عاجلة، قبل أنْ تتراجع دون ترسيخ قواعد دائمة، بما يعيد إنتاج هشاشة الحوكمة بصيغة مختلفة.
فالفاصل بين هذه المسارات سيظل من حيث المبدأ، محدداً بثلاثة عناصر رصدية، وهي: اتساق القواعد، وقابلية تسوية النزاعات، وأثر التطبيق على الاستمرارية التشغيلية. غير أن المعطيات الحالية تشير إلى أنّ هذه العناصر لم تبلغ بعد مستوى الانتظام الكافي، ما يرجّح، في الأجل القريب، مساراً تتقدّم فيه الصرامة التنفيذية على الاستقرار القاعدي (مركزية تنفيذية متشددة).
وفي ظل هذا الواقع، تميل حوكمة قطاع التعدين في مالي، مؤقتاً على الأقل، إلى تعميق عدم اليقين التنظيمي أكثر من تحقيق إعادة توازن مؤسسية مكتملة، في قطاع تتقاطع فيه الاعتبارات المالية والسيادية مع حساسيات استثمارية عالية.
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



























