مع ساعات الصباح الأولى، يخرج محمد أحمد، وهو نازح من شمال دارفور، حاملاً عربة صغيرة يستعين بها في نقل البضائع داخل سوق مدينة بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة لولاية البحر الأحمر. لم يكن هذا العمل جزءًا من حياته السابقة، إذ كان موظفًا في إحدى المؤسسات المحلية يتقاضى راتبًا ثابتًا يكفي بالكاد متطلبات أسرته. لكن الحرب التي اندلعت بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع قلبت موازين حياته، وأجبرته على مغادرة منزله، ليجد نفسه في اقتصاد مختلف تمامًا، لا يعترف بالثبات ولا بالوظيفة المستقرة.
يقول محمد لـ “آفريكا تريندز” : “أحيانًا أعمل طوال اليوم وأعود بمبلغ بسيط، وأحيانًا لا أجد شيئًا. الحياة هنا تعتمد على الحظ أكثر من أي شيء آخر”.
محمد ليس حالة فردية، بل يمثل آلاف السودانيين الذين فقدوا وظائفهم ومصادر دخلهم مع توسع رقعة الحرب، واضطروا إلى إعادة بناء حياتهم الاقتصادية من الصفر، في ظل انهيار شبه كامل للقطاعين العام والخاص، وتراجع قدرة الدولة على إدارة الموارد والخدمات الأساسية.
لا يمثل هذا التحول مجرد أزمة معيشية عابرة، بل يعكس إعادة تشكيل عميقة لبنية الاقتصاد السوداني، حيث يتحول من اقتصاد قائم على المؤسسات إلى اقتصاد بقاء يومي تحكمه الهشاشة وعدم اليقين.
وفي هذا السياق، يحاول هذا التقرير تتبع ملامح هذا التحول من خلال قراءة واقع الاقتصاد اليومي للسودانيين، وتحليل صعود الاقتصاد غير الرسمي، وتأثير التضخم وانهيار القوة الشرائية، إلى جانب دور التحويلات المالية وشبكات التضامن في إعادة تشكيل سبل العيش تحت ضغط الحرب.
من الوظيفة إلى اقتصاد اليومية
قبل الحرب، كان جزء كبير من السودانيين يعتمد على وظائف حكومية أو أعمال مستقرة نسبيًا في قطاعات الخدمات والتعليم والصحة. لكن الحرب أدت إلى توقف مؤسسات، وإغلاق شركات، وتعطل الرواتب في مناطق واسعة، ما دفع ملايين الأشخاص إلى سوق العمل غير الرسمي.
في أحد أحياء بورتسودان، تجلس آمنة، وهي أم لخمسة أطفال، أمام موقد صغير تعد عليه الشاي لبيعه للمارة. لم تكن تتخيل يومًا أن تتحول إلى بائعة شاي في الشارع، لكنها وجدت نفسها في هذا الواقع بعد أن فقد زوجها مصدر دخله وتشتتت الأسرة بين النزوح والبحث عن الأمان.
تقول آمنة لـ “آفريكا تريندز”: “أبيع الشاي من الصباح إلى المساء، وأحيانًا لا أكسب ما يكفي لشراء الطعام، لكن لا خيار لدينا. الحياة يجب أن تستمر”.
هذا التحول يعكس نمطًا متكررًا في الاقتصاد السوداني اليوم، حيث انتقل عدد كبير من المواطنين من “اقتصاد الوظيفة” إلى “اقتصاد البقاء”، القائم على العمل اليومي غير المضمون.
الأرقام تعكس حجم الأزمة
تعكس التقارير الدولية حجم التدهور الاقتصادي والمعيشي في السودان. فوفقًا لبيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يحتاج أكثر من 30 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية، في واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
كما تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب دفعت نحو 6.9 مليون شخص إلى الفقر المدقع، مع خسائر اقتصادية ضخمة وتراجع حاد في النشاط الإنتاجي.
في السياق ذاته، يؤكد البنك الدولي أن الاقتصاد السوداني يمر بأزمة عميقة، مع انكماش كبير في الناتج المحلي وتراجع في الإيرادات، ما انعكس مباشرة على مستويات المعيشة.
اقتصاد الحرب في السودان وتوسع الاقتصاد غير الرسمي
في الأدبيات الاقتصادية، يشير “اقتصاد الحرب” إلى نمط اقتصادي يتشكل في ظل النزاعات، حيث تتراجع المؤسسات الرسمية لصالح أنشطة غير منظمة، ويصبح البقاء لا الإنتاج هو المحرك الأساسي للسلوك الاقتصادي.
ومع تراجع الاقتصاد الرسمي، برز ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد الحرب”، وهو اقتصاد غير منظم يعتمد على أنشطة مؤقتة مثل البيع المتجول، النقل اليدوي، الأعمال الصغيرة، إعادة بيع السلع المستعملة، والتحويلات المالية من الخارج، إلى جانب المساعدات الإنسانية.
في أسواق بورتسودان، تغيّر المشهد بشكل واضح. يلاحظ التجار أن القوة الشرائية تراجعت بشكل كبير، وأن المواطنين باتوا يشترون فقط السلع الأساسية وبكميات محدودة.
يقول التاجر خالد شنداوي لـ”آفريكا تريندز”: الناس لم تعد تشتري كما في السابق. حتى الضروريات يتم شراؤها بالقطعة أو بالكاد تكفي ليوم أو يومين. السوق يعيش حالة انكماش حاد”.
هذا التراجع في الطلب انعكس بدوره على التجار الصغار، الذين فقد كثير منهم رؤوس أموالهم، واضطروا لتقليص نشاطهم أو التوقف تمامًا.

اقتصاد تحت الانكماش ومحاولات للتكيف
يرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن الحرب لم تؤد فقط إلى تراجع الدخل، بل إلى “إعادة تفكيك بنية الاقتصاد الوطني”.
ويشير الصحفي الاقتصادي خالد عبدالرحمن تكس في حديث لـ”آفريكا تريندز” إلى أن ما يحدث هو “تحول قسري في بنية الاقتصاد، حيث انتقلت الأنشطة الإنتاجية إلى مناطق محدودة، بينما انهارت قطاعات واسعة في العاصمة ومدن النزاع”.
ويضيف أن بعض الولايات الآمنة مثل بورتسودان وكسلا والقضارف شهدت نشاطًا اقتصاديًا نسبيًا، تمثل في ظهور أسواق جديدة، وعودة جزئية للخدمات، لكن هذا النشاط لا يكفي لتعويض الانهيار العام.
ويشير إلى أن استمرار دفع جزء من الرواتب الحكومية ساعد في تخفيف حدة الانهيار، لكنه لم يكن كافيًا أمام التدهور الكبير في قيمة العملة وارتفاع الأسعار.
بلا شك، يطرح هذا التحول سؤالًا أعمق حول دور الدولة، إذ لم يعد الاقتصاد يُدار عبر مؤسسات مركزية، بل عبر شبكات غير رسمية، ما يعكس تآكل القدرة التنظيمية للدولة وتراجع حضورها في إدارة الحياة الاقتصادية.
التضخم وانهيار القوة الشرائية
أحد أبرز مظاهر اقتصاد الحرب هو الارتفاع الحاد في الأسعار مقابل تراجع الدخل. فقد فقد الجنيه السوداني جزءًا كبيرًا من قيمته، ما جعل السلع الأساسية خارج قدرة شريحة واسعة من المواطنين.
الخبز، الزيت، السكر، والأدوية أصبحت تمثل عبئًا يوميًا، فيما باتت الأسر تعتمد على تقليل الاستهلاك إلى الحد الأدنى.
يقول أحد المواطنين: “كنا نشتري احتياجات الأسبوع، الآن نشتري لليوم فقط. كل شيء أصبح غاليًا”.
هذا الارتفاع في الأسعار لا يرتبط فقط بانخفاض العملة، بل يعكس صدمة مزدوجة في العرض، نتيجة تعطل الإنتاج وسلاسل الإمداد، ما أدى إلى تضخم مدفوع بالندرة، وليس فقط بالطلب.
التحويلات المالية.. شريان حياة غير مستقر
في ظل هذا الواقع، أصبحت التحويلات المالية من السودانيين في الخارج أحد أهم مصادر البقاء للأسر داخل البلاد. لكن هذا الشريان يظل هشًا وغير كافٍ لتغطية الاحتياجات المتزايدة.
أحد المستفيدين من هذه التحويلات يقول لـ”آفريكا تريندز”: “ننتظر الحوالة من الخارج لنشتري الطعام فقط، لكنها لا تكفي أكثر من أيام قليلة”.
كما تواجه هذه التحويلات تحديات تتعلق بتقلب أسعار الصرف وصعوبة الوصول إلى القنوات الرسمية، ما يزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي للأسر المعتمدة عليها.
النساء والأطفال في صميم الأزمة
تظهر آثار اقتصاد الحرب بشكل أكثر حدة على النساء والأطفال. فمع فقدان المعيل أو نزوحه، تتحمل النساء مسؤولية إعالة الأسرة عبر أعمال غير مستقرة.
كما اضطر عدد من الأطفال إلى ترك المدارس والالتحاق بسوق العمل غير الرسمي للمساعدة في توفير الدخل، وهو ما يثير مخاوف من تأثيرات طويلة المدى على التعليم والتنمية البشرية.
ولا يقتصر تأثير هذا التحول على عبء العمل فقط؛ بل يمتد إلى طبيعة الأدوار الاجتماعية داخل الأسرة الواحدة؛ حيث تجد النساء أنفسهن في مواجهة ضغوط مركبة تجمع بين مسؤوليات الإعالة والرعاية في آن واحد، غالبًا دون أي حماية اجتماعية أو استقرار اقتصادي. هذا الواقع يدفع كثيرًا منهن إلى الانخراط في أنشطة منخفضة الدخل وعالية الهشاشة، ما يعمّق من دوائر الفقر ويحدّ من فرص التمكين الاقتصادي على المدى الطويل.
أما على مستوى الأطفال، فإن الخروج المبكر من التعليم قد ينظر إليه كمجرد استجابة ظرفية للأزمة؛ ولكنه يمثل خطرًا بنيويًا يهدد بتشكّل “جيل فاقد للفرص”، تتراجع فيه المهارات والتعليم لصالح العمل الهش وغير المنظم. ومع استمرار هذا المسار، تتزايد احتمالات ترسيخ الفقر عبر الأجيال، ما يجعل تكلفة الحرب لا تقتصر على الحاضر، بل تمتد عميقًا إلى مستقبل التنمية البشرية في السودان.
في ظل هذا المشهد المعقد، لم يعد الحديث عن الادخار أو تحسين الدخل مطروحًا لدى كثير من الأسر، بل أصبح الهدف الأساسي هو “تأمين يوم الغد”.
وفي هذا الصدد، يقول شباب يعملون في الأعمال اليومية: “نعيش يومًا بيوم. لا نعرف ماذا سيحدث غدًا، المهم أن نأكل اليوم”.
يعكس هذا التحول إعادة تعريف كاملة لمفهوم الاقتصاد لدى المواطن، من التخطيط المستقبلي إلى البقاء الفوري.
شبكات التضامن كبديل مؤقت
رغم قسوة الظروف، ظهرت أشكال من التضامن المجتمعي كآلية أساسية للتكيف؛ حيث تعتمد الأسر على الأقارب والجيران، إضافة إلى المبادرات المحلية التي تقدم دعمًا محدودًا للنازحين، سواء عبر تقاسم الغذاء، أو توفير المأوى المؤقت، أو المساهمة في تغطية الاحتياجات اليومية.
وفي بعض الأحياء، ظهرت شبكات غير رسمية لتبادل الموارد والخدمات، تعكس محاولة مجتمعية لسد الفراغ الذي تركه تراجع دور الدولة والمؤسسات.
ولا يقتصر هذا التضامن على البعد الإنساني فحسب؛ بل يحمل أيضًا بُعدًا اقتصاديًا واضحًا، إذْ أصبح جزءًا من “اقتصاد البقاء” نفسه؛ حيث تُدار العلاقات الاجتماعية كموردٍ حيويٍّ يمكن الاعتماد عليه في أوقات الأزمات.
لكن هذه الشبكات، رغم أهميتها، تبقى محدودة القدرة على الاستمرار في ظل اتساع رقعة الاحتياج وتآكل موارد الأسر نفسها. فمع امتداد الأزمة، تتحول هذه الآليات من مصدر دعم إلى عبء إضافي على مجتمعات تعاني أصلًا من الهشاشة، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرتها على الصمود دون دعم مؤسسي أو تدخل أوسع يعيد التوازن إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية.
مستقبل اقتصادي غامض
يحذر مختصون من أن استمرار الحرب سيؤدي إلى تعميق الفقر وتآكل الطبقة الوسطى بشكل شبه كامل، مع صعوبة إعادة بناء الاقتصاد في المدى القريب.
كما أن تدمير البنية التحتية، وتوقف الإنتاج الزراعي والصناعي في مناطق واسعة، يجعل عملية التعافي الاقتصادي أكثر تعقيدًا حتى بعد توقف الحرب.
ولا تقتصر تداعيات هذا المسار على المؤشرات الاقتصادية فحسب؛ بل تمتد إلى إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد نفسه؛ حيث يتجه نحو مزيد من التفكك الجغرافي والقطاعي، مع تمركز الأنشطة في مناطق محدودة وغياب التكامل بين الأقاليم. كما أنّ توسع الاقتصاد غير الرسمي، رغم دوره في التكيف، قد يتحول إلى عائق أمام التعافي، نظرًا لضعف الإنتاجية وصعوبة إدماجه لاحقًا ضمن اقتصاد منظم.
ويُضاف إلى ذلك خطر فقدان رأس المال البشري، نتيجة النزوح الواسع، وتعطل التعليم، وهجرة الكفاءات، وهو ما قد يترك آثارًا طويلة المدى على قدرة الاقتصاد على إعادة الانطلاق. فالتحدي لا يقتصر على إعادة بناء البنية التحتية؛ بل يشمل أيضًا إعادة بناء الثقة في المؤسسات، واستعادة دورة الإنتاج، وخلق بيئة تسمح بعودة الاستثمار.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن التعافي الاقتصادي في السودان لن يكون مجرد مرحلة تالية للحرب، بل مسارًا طويلًا ومعقدًا يتطلب استقرارًا سياسيًا، ودعمًا خارجيًا منسقًا، وإصلاحات هيكلية عميقة تعيد ربط الاقتصاد بمؤسساته الرسمية.
الخلاصة
بين النزوح وفقدان الوظائف وارتفاع الأسعار، يعيش السودانيون اليوم داخل اقتصاد مختلف تمامًا، اقتصاد لا يقوم على التخطيط أو الاستقرار؛ بل على البحث اليومي عن البقاء.
فالخطر لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في ترسخ هذا النمط الاقتصادي كواقع دائم، ما قد يجعل العودة إلى اقتصاد مستقر ومنظم أكثر تعقيدًا حتى بعد توقف القتال.
وفي هذا السياق، لا تبدو الأزمة مجرد مرحلة عابرة؛ بل لحظة مفصلية قد تعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والاقتصاد والدولة في السودان. فبينما ينجح الأفراد في ابتكار سبل للبقاء، يبقى التحدي الحقيقي في تحويل هذا التكيف المؤقت إلى مسار تعافٍ مستدام، يوقف نزيف الهشاشة ويعيد بناء اقتصاد قادر على الاستقرار والنمو.
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.































