لقد شهدت القارة الإفريقية، ولا سيما في دولة مالي، ظهور خطاب نسوي يحاول إعادة تعريف مكانة المرأة في المجتمع، مستندًا إلى مبادئ المساواة والعدالة. غير أن النسوية المالية، كما سنرى، لم تتشكل بمعزل عن التيارات النسوية الغربية، بل تأثرت بها بدرجات متفاوتة، سواء من حيث المطالب أو الخطاب النقدي تجاه الأعراف الدينية والثقافية.
يهدف هذا المقال إلى تتبع جذور الحركة النسوية في دولة مالي، واستعراض مسارات تطورها التاريخي والقانوني والاجتماعي، مع إلقاء الضوء على أبرز الناشطات الماليات ومواقفهن من الدين والأسرة. كما يسعى المقال إلى محاولة تحليل نقاط التشابه والاختلاف بين النسوية المالية والغربية، لفهم مدى مواءمة هذه الأفكار مع السياق المحلي والثقافي في مالي، وما إذا كانت تمثل خطابًا أصيلاً أم نسخة منقولة من الغرب.
ولتحقيق هذا الغرض، قسّمنا المقال إلى ثلاثة محاور رئيسية تتناول تطور الفكر النسوي من الغرب إلى مالي:
المحور الأول، استعرضنا جذور التحيّز ضد المرأة في النصوص الدينية والفلسفية الغربية، وانعكاسها على العلاقة بين الرجل والمرأة الغربية، وكيف أسهمت هذه النصوص في بلورة الحركة النسوية الفرنسية ومطالبها الأساسية، مثل حرية الجسد، والتحكم في الخصوبة، ونقد السلطة الأبوية، قبل أن تمتدّ هذه الأفكار إلى السياقات الأفريقية.
المحور الثاني، حاولنا تتبع النسوية الأفريقية وأصلها ومبادئها، من خلال دراسة أول منتدى للنسويات الأفريقيات في أكرا عام 2006، واستعراض ميثاق النسوية الأفريقية وأهم مبادئه، بالإضافة إلى تقديم أبرز القيادات النسوية الأفريقيات ومواقفهن الفكرية والدينية، مع توضيح مدى تأثر النسوية الأفريقية بالنسوية الغربية.
المحور الثالث، تطوّر النسوية في مالي وحضورها على المشهد العام، حيث رصدنا مراحل تطور النسوية المالية على المستويين القانوني والاجتماعي، وناقشنا أبرز القضايا المثارة للجدل بين الناشطات الماليات، مع إبراز دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل خطاب نسوي رقمي معاصر، وما يترتب على ذلك من تحديات وانعكاسات على الهوية الثقافية والدينية في مالي.
ثم توجنا الدراسة بخاتمة تضمنت بعض التوصيات والمقترحات، ونأمل أن يكون هذا الجهد المتواضع مدخلًا يعين الدعاة والباحثين في مالي على فهم جذور هذا التيار وأفكاره، تمهيدًا لبناء خطاب ديني أكثر فاعلية في التعامل مع تأثيراته المتنامية على الصعيد الاجتماعي داخل الدولة.
المحور الأول: جذور التحيّز ضدّ المرأة الغربية المستمدة من الكتب المقدّسة
لقد أسهمت النصوص الدينية والفلسفية الغربية، في العصور الوسطى إسهاما كبيرا في ترسيخ نظرة ذكورية تجاه المرأة الغربية، ويمكن رصد أبرز مظاهر ذلك في النقاط الآتية:
- ترسيخ نظرة دونية للمرأة: تُقدَّم المرأة في بعض التقاليد الدينية والفلسفية القديمة بوصفها صنفًا أدنى من الرجل؛ فهي وفق قراءة معيّنة لسفر التكوين (الأصحاح 3) ـ الكائن الذي لوّث البشرية بعصيان حوّاء في الجنّة. أما في الفلسفة الأرسطية، فيظهر طرح ذو طابع ذكوري صِرف يصوّر المرأة على أنها «رجل ناقص»، وهي فكرةٌ تعزّزت بتفسير الخلق القائم على اعتبار حوّاء تابعة وأدنى شأنًا. (1)
- تبرير خضوع الزوجات لأزواجهن: يستند هذا التصور إلى نصوص من العهد الجديد، خصوصًا رسائل القديس بولس، مثل قوله: «لتصمت النساء في الكنائس، فليس لهنّ أن يتكلمن فيها… وإذا أردن أن يتعلمن شيئًا فليسألن أزواجهنَّ في البيت، فعارٌ على المرأة أن تتكلم في الكنيسة.» وقوله: «أيتها النساء، اخضعنَ لأزواجكنَّ خضوعكنَّ للرب؛ لأن الرجل رأسُ المرأة كما أن المسيح رأس الكنيسة…»(2)
- تقييد حرية التثقيف للمرأة: وهنا تأتي مقولة جوان لوي فيف Jean-Louis Veuve كما وردت في كتابه ” تعليم المرأة المسيحية”، وهي تستند مباشرة إلى رواية الخلق في سفر التكوين ورسائل بولس، ويمكن تلخيصها كما يلي: يرى فيف أن آدم هو أوّل الخلق، أمّا حوّاء فقد خُلقت بعده، ولم يكن آدم هو الذي وقع في الخطيئة؛ بل المرأة، لأنها خُدعت وخالفت الوصية الإلهية. ومن ثمّ فالمرأة — في رأيه — كائن هشّ، قليل الحصافة، يسهل خداعه. وهذا ما ظهر ـ حسب اعتقاده — على حوّاء أمّ البشر عندما أزلّها الشيطان بحجج واهية.
لذلك، يرى فيف أنه لا ينبغي للمرأة أن تكون مُعلِّمة، لأنها إن آمنت برأي خاطئ وبَنَت عليه، فإنها ستنشره بين السامعين.»(3)
أولًا: انعكاسات النصوص الدينية على العلاقة بين الرجل والمرأة في الغرب
أسهمت النصوص الدينية والفلسفية في الغرب (إنجلترا وأمريكا، ثم فرنسا لاحقا) لا سيما قراءات سفر التكوين ورسائل بولس والفلسفة الأرسطية، في ترسيخ رؤية دونية للمرأة، وتصويرها ككائن هشّ، قليل الحصافة، وقابل للخداع، وبالتالي مُهيأ للخضوع للرجل. ولم تقتصر آثار هذه النظرة على الجانب الرمزي أو الأخلاقي؛ بل امتدت لتقيد حرية المرأة في جميع الأصعدة.
وعلى الصعيد القانوني، لم تكن للمرأة فرصة للالتجاء إلى القانون طلبًا للمساواة في الأجور، وكانت كل ممتلكاتها عند الزواج، وكل ما تملكه فيما بعده، تُحول تلقائيًا إلى الزوج، ما لم تكن هناك ظروف استثنائية تحول دون ذلك.
وكان إنجاب الأطفال يعتبر جزءًا أساسيًا من واجبات الزوجة، سواء أكان ذلك لإنجاب الذكور ليرثوا أراضي الزوج وأملاكه أم لتوفير مصدر للعمالة. ولم يكن للمرأة أي حق على أطفالها؛ فتنشئتهم وتعليمهم وتزويجهم كان من شأن الأب وحده. وكان الأطفال، من وجهة النظر القانونية، يُسمّون بأبناء الأب، وفي حالة خلاف الأب والأم أو انفصالهما (مع غياب إمكانية الطلاق لمعظم الناس) كان من حق الأب منع الأم من الاتصال بأطفالها بأي شكل من الأشكال.
أما على المستوى الاجتماعي، فلم تكن للمرأة أي حقوق سياسية، مثل المشاركة في التصويت، ولا حق التحاق بالجامعة، مما أدى إلى استبعادها من كثير من مجالات القرار والتعليم.
وقد أدى هذا الاجحاف بحق المرأة إلى ظهور بواكير النسوية الأولى، التي تمثلت في نضال كاتبات بين 1550 و1700، اللاتي دافعن من خلال كتبهن المنشورة عن مواجهة الصورة النمطية التي رسخت النظرة الدونية للمرأة في النصوص الدينية، مؤكدات على مساواة المرأة بالرجل، وأنها خلقت لتكون شريكًا وعونًا له لا تابعة، كما أنها قادرة على التعليم وتربية الأولاد.(4)
وعلى الرغم من تزايد عدد الأصوات الأدبية المعبرة عن الآراء النسوية قرب نهاية القرن السابع عشر، لم يتغير الوضع القانوني والدستوري للمرأة، وظلت أوضاعها المادية والاقتصادية عمومًا دون أي تحسن.
وشهد القرن التاسع عشر تطورًا كبيرًا في الفكر النسوي وتحقيق إصلاحات معتبرة نسبيًا، لكن عصرها الذهبي، أو ما يُعرف بالعصر الفيكتوري، اعتُبر فترة الخمسينات من القرن التاسع عشر، إذ شهدت الحركة صحوة عالية وتحقيق سلسلة من المطالبات التشريعية والاجتماعية الهامة التي ساهمت في بلورة دور المرأة في المجتمع الغربي.
ثانيًا: تشكيل حركة تحرير المرأة الفرنسية وأهم مطالبها
وفي فرنسا، تم تكوين أول الجماعات النسائية في صيف 1968، وسُميت حركة تحرير المرأة MLF) ) لتصبح أهم تنظيم نسوي راديكالي في البلاد. (5) ركزت الحركة على عدة مطالب رئيسية:
- تحرير الجسد الأنثوي: إذ لم تكن المرأة تتحكم بحرية كاملة في جسدها وغالبًا ما كانت تقيدها التقاليد والدين.
- الحق في الإجهاض والتحكم في الخصوبة: لأن المرأة كانت تعتمد على الرجل أو على القوانين والسلطات في قراراتها الإنجابية، مما حد من استقلالها.
- رفض النظام الأبوي والسلطة الذكورية: لتقليل سيطرة الرجل على المرأة في المجتمع والسياسة وتحقيق المساواة.
- نقد الأسرة التقليدية: إذ كانت الأسرة تحصر المرأة في الرعاية المنزلية والأدوار الثانوية، بينما يُمنح الرجل الفرص الاقتصادية والاجتماعية.(6)
وعلى الرغم من أن الحركة النسوية الغربية استطاعت خلال القرون اللاحقة تحقيق إصلاحات مهمة، فإن هذا المسار الطويل والمعقد يوضح أن نضال المرأة مرتبط دائمًا بالسياق الاجتماعي والثقافي المحيط بها. ومن هنا، يصبح من الطبيعي أن نتساءل: كيف تجلّت فكرة النسوية في إفريقيا، في سياق يختلف عن الغرب من حيث البنية الاجتماعية والدينية والتاريخية، وكيف واجهت النساء الأفريقيات التحديات المتجذرة في الأعراف والتقاليد والممارسات الاجتماعية.
المحور الثاني: النسوية الأفريقية: تطورها التاريخي ومبادئها الأساسية
أ. البُنى الثقافية الأفريقية: عناصر ومؤثّرات
ويجدر بنا، قبل التطرق إلى النسوية الأفريقية ومبادئها الأساسية – وباقتضاب – أن نُعرِّج على القاعدة الثقافية الأفريقية، وأبرز التيارات التي أثّرت بعمق في بنيتها، ليتسنّى للقارئ مقارنتها بالبنية الثقافية الغربية التي استمدّت منها النسوية الأفريقية كثيرًا من مبادئها.
ويسهم هذا التمهيد في إبراز مدى عدم مواءمة النسوية الغربية للسياقات المحلية من جهة، ومن جهة أخرى يسلّط الضوء على شناعة الآليات التي استخدمتها المسيحية لفرض نفسها في أفريقيا، الأمر الذي يبرّئ الإسلام من تهمة انتشاره في القارة بمنطق القوّة. وسنستأنس، في هذا المقام، بدراسة للدكتور آدم بامبا بعنوان: «الثقافة الأفريقية: مؤثّرات واتجاهات».(7)
وبحسب ما أورده الدكتور، فإنّ تعريف الثقافة الأفريقية يظلّ أمرًا إشكاليًا؛ وقد أشار الباحث فيدل إلى أن جوهر هذه الإشكالية يعود إلى سؤالٍ أقدم لم يُحسم بعد، وهو: ما المقصود بوصف «إفريقيا»؟ (Africa’s What). فمادامت الإجابة عن هذا السؤال محلّ خلاف، فإنّ القضايا المتفرعة عنه تظلّ، بالضرورة، معلّقة وغير محسومة.
ومع ذلك، فقد خلص عدد من الباحثين في الفلسفة إلى تحديد سبعة عناصر أساسية تُشكّل قاسمًا مشتركًا بين مختلف تجلّيات الثقافة الأفريقية. وسنكتفي، في هذا السياق، باستعراض أربعة عناصر منها، بما يخدم موضوع المقال وسياقه التحليلي.
- الحسّ المجتمعي: تقوم البنية الثقافية الأفريقية على الانتماء والاندماج المجتمعي، حيث يُنظر إلى الفرد بوصفه جزءًا من الجماعة لا كيانًا مستقلًا عنها. ويُضفى على هذا الانتماء بعدٌ من التقديس في المخيال الأفريقي، بخلاف الثقافة الغربية القائمة على الفردانية ومركزية الحقوق الفردية.
- حسّ الوئام البشري: يقوم هذا الحسّ على حسن العِشرة والجوار، ويتبعه التماسك الأسري، ولا سيما العلاقة بين الزوج وأفراد عائلته كالأم والأخوات. وهو ما قد يصطدم بالثقافة الغربية القائمة على مركزية الزوجة في أولويات الزواج وحصر العلاقات داخل الإطار الثنائي.
- احترام السلطة وكبار السن: يُعدّ احترام السلطة وكبار السن عنصرًا أساسيًا في الثقافة الأفريقية، إذ يضفي هذا المبدأ مكانةً مؤثّرة للوالدين والأعمام في حياة الأبناء، في اختلافٍ جوهري مع البنية الثقافية الغربية التي تميل إلى تقليص دور الأسرة الممتدّة وتعزيز استقلالية الفرد.
- احترام الضيف: يحظى الضيف بعناية خاصة في المجتمع الأفريقي، ويُمنح من التقدير ما قد لا يُمنح لأفراد الجماعة أنفسهم. ويُعدّ هذا السلوك من التقاليد الأفريقية الراسخة التي تناغمت مع تعاليم الإسلام.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الخصائص القيمية أصيلة؛ إذ إنّ أصولها — وفقًا للدكتور بامبا — لم تتأثّر تأثيرًا حاسمًا بظاهرة التثاقف التي تنشأ عند التقاء ثقافتين مختلفتين.
ب. الثقافة الأفريقية بين الأصالة والتأثير- الأديان نموذجا
أولًا: المسيحية
تؤكّد دراسة الدكتور آدم بامبا أنّ المسيحية شكّلت محطةً خطيرة في مسار التثقيف القسري أحاديّ الاتجاه، من الثقافة الغربية الأوروبية نحو الثقافة الأفريقية؛ وذلك لكون المسيحية – كما يتفق عدد من الباحثين – استُخدمت أداةً للاستعمار الثقافي بيد الإمبريالية، أو بعبارة أوضح: كانت المسيحية والإمبريالية وجهين لعملة واحدة.
وتتبّعت الدراسة بعض جوانب نشاط التثقيف المسيحي في أفريقيا، ومن ذلك على سبيل المثال:
- عقيدة لعنة حام: وهي التي سوّغت لبعض الباحثين الأوروبيين القول بأن أصل كل حضارة في أفريقيا إنما هو خارجي.
- الأيقون الديني: أي تصوير المسيح في صورة رجل آري أشقر، أزرق العينين، مما عزّز النظرة الدونية للون الأسود.
- في النظام الاجتماعي: فرض الكنيسة النموذج الغربي في طقوس الزواج، ولا سيما نظام الزواج الأحادي (Monogamie).
- في المجال السياسي: تورّط الكنيسة في جريمة قنص العبيد وبيعهم عبر الأطلسي، إلى جانب الترويج لعقيدة الخنوع وقبول هيمنة الرجل الأبيض، بوصف ذلك طريقًا للخلاص في الآخرة.
ثانيا: الإسلام
يُعدّ الإسلام من أقدم وأقوى التيارات المؤثّرة في الثقافات الأفريقية، غير أنّ التلاقي بينه وبين الثقافات المحلية تمّ – بخلاف المسيحية – في إطارٍ سلمي في الغالب. وقد اعترف كثير من الكتّاب الغربيين بسلمية تغلغل الديانة الإسلامية في المجتمعات الأفريقية.
بينما شملت مظاهر تأثير الإسلام مختلف مناحي الحياة، في الفنون والعمران والاقتصاد، ولا سيما في العادات والتقاليد. ويُعزى ذلك إلى طبيعة الأنظمة الاجتماعية الأفريقية نفسها، التي كانت – في معظمها – متناغمة مع تعاليم الإسلام، مما أسهم في مرونة التكيّف بين الثقافتين.
غير أنّ هذا لا يمنع من التنبيه إلى بعض التقاليد المحلية المتناقضة، التي ظلّت عصيّة على الاندثار في بعض المجتمعات الأفريقية، بنسب متفاوتة، حتى بعد رسوخ الإسلام، بل عُدّت لاحقًا – على غير وجه حق – من صميمه؛ كظواهر الزواج القسري، والهيمنة الذكورية المفرطة على المرأة. وهي جوانب – وإن كانت محدودة – يمكن استغلالها من قِبل الدعاة لمسايرة الخطاب النسوي الأفريقي، بما يمكن تسميته بالنسوية الأفريقية الإسلامية
ج. جذور النّسويّة الأفريقية: بين التأثّر الغربي وإعادة إنتاج المحلي
يرى الكثير من الباحثين أن النسوية الأفريقية من الأفكار المستوردة من الغرب إبان الاستعمار. ويكسب هذا الرأي مصداقية إذا ألقينا النظرة في صفحات رواية “رسالة طويلة جدًا” للكاتبة السنغالية مريم با، التي كُتبت إثر الاستعمار الفرنسي. فقد جسدت الكاتبة في روايتها تلك الرؤية النسوية الغربية، من خلال توجيه نقد لاذع لبعض العادات والتقاليد الراسخة في المجتمعات السنغالية، مما يوحي بتأثر كاتبتها بالثقافة الغربية دون مواءمة أو احتياط مع السياق المحلي.
ويرى الكاتب السنغالي عمر لي أن خطورة رواية “رسالة طويلة جدًا” – ببعدها النسوي – تكمن في كونها نُسخت من سياق زمني ومكاني مختلف (الغرب) إلى سياق زمني ومكاني آخر (السنغال)، مما أدى إلى رفض عنيف من قبل المحافظين، لا سيما المتطرفين منهم.(8)
ولا يقتصر تأثير النسوية الغربية على الأدب الأفريقي، بل ظهر أيضًا في التنظيم النسوي الرسمي، كما يتضح من ميثاق المبادئ النسوية الأفريقية (Charter of Feminist Principles for African Feminists) خلال المنتدى النسوي الأفريقي الأول الذي عُقد في أكرا – غانا في الفترة من 15 إلى 19 نوفمبر 2006.
1: منتدى غانا وأهم مبادئ النسوية الأفريقية
يعرّف النسوية بأنها “مجموعة من الحركات الاجتماعية والسياسية والأيديولوجيات التي تهدف إلى تأسيس المساواة السياسية والاقتصادية والشخصية والاجتماعية بين الجنسين”.(9)
وقد انعقد أول منتدى للنسويات الأفريقيات في أكرا عام 2006، وشارك فيه نحو مائة ناشطة من جميع أنحاء القارة والمهجر. وكان من أهم مخرجات هذا المنتدى اعتماد ميثاق النسوية الأفريقية الذي يحدد هوية ومبادئ النسوية الأفريقية الأساسية.
2: أصل تسمية النسوية
من خلال الميثاق، قدّمت المناضلات مبرر تسمية أنفسهن بالنسويات، كما ورد في الديباجة:
“نحن نعرف ونسمي أنفسنا علنًا ‘نسويات’ لأننا نحتفي بهويتنا وسياساتنا النسوية. وندرك أن العمل على النضال من أجل حقوق النساء هو – في العمق – مسألة سياسية، وعملية التسمية شأن سياسي أيضًا.”
اختيارنا لتسمية أنفسنا ‘نسويات’ يضعنا في موقع أيديولوجي واضح.
وبتسمية أنفسنا ‘نسويات’، نقوم بتسييس النضال من أجل حقوق النساء، ونسائل شرعية البنى التي تبقي على خضوع النساء، ونطور أدوات للتحليل والفعل التحويليين.”(10)
3: أهم مبادئ النسوية الأفريقية
يؤكد الميثاق بشكل صريح التزام النسويات بتفكيك نظام الأبوية في إفريقيا بكل مظاهره، ويحدد العقيدة النسوية تحت عنوان “أخلاقيات فردية” في ثلاثة عشر بندًا، منها ما يلي:
- حق كل النساء في حياة خالية من القمع الأبوي والتمييز والعنف.
- حرية الاختيار والاستقلال فيما يتعلق بالسلامة الجسدية، بما في ذلك الحقوق الإنجابية، والإجهاض، والهوية الجنسية، والميول الجنسية.
- التعامل النقدي مع خطابات الدين والثقافة والتقاليد والعائلة، مع التركيز على محورية حقوق المرأة.
- الاعتراف بالنساء الأفريقيات وتقديمهن كفاعلات، لا كمفعول بهن، في حياتهن ومجتمعاتهن.
- الحق في علاقات شخصية صحية، مُحققة، ومبنية على الاحترام المتبادل.
- الحق في التعبير عن معتقداتنا الروحية ضمن أو خارج أطر الأديان المنظمة.(11)
وبالتأمل في مبادئ النسوية الأفريقية كما وردت في ميثاق المنتدى، ثم مقارنتها بمطالب النسويات الغربيات أثناء تشكّل حركة تحرير المرأة. 1968، نكاد نجد أمامنا، بشكل لا لبس فيه، نسخة طبق الأصل لمبادئ النسوية الغربية. مايؤكد مقولة الكاتب عمر لي:
“نُسخت من سياق زمني ومكاني مختلف (الغرب) إلى سياق زمني ومكاني آخر (السنغال).”
د. قياداتٌ نسوياتٌ أفريقيات معاصرات ومواقفهن من الإسلام
يرى الدكتور محمود سورو، في كتابه الأصول الفكرية للحركات الأفريقانية، أن الباحثة الكونغولية كلاريس كاموا (Clarice Kamwa) تُعدّ واحدة من أبرز قيادات التيار النسوي الأفريقاني، وهي في الوقت ذاته ترأس إحدى أهم الحركات النسوية في القارة، وهي حركة الأنوثة والنسوية الأفريقانية MFF(12)
وقد تركّز نضال كاموا على مواجهة النظرة الذكورية تجاه المرأة الإفريقية، والسعي إلى تحقيق المساواة بين الرجال والنساء، مع تركيز واضح على قضايا العلاقة الزوجية وتقاسم تدبير شؤون البيت وتحمل مسؤوليات الإنفاق وغيرها. بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك حين طالبت — مبالغةً في نقد تعدد الزوجات — بالسماح بتعدد الأزواج، ما دامت ظاهرة التعدد مستمرة لدى الرجال الأفارقة.
ويواصل الدكتور سورو تحليل أفكار كاموا، مستعرضًا مقاطع من محاضراتها تُظهر بوضوح موقفها من الديانات، وخاصة الإسلام. ومن أشد ما نُقل عنها قولها:
«الغرب يعرف كيف يسيطر! والصين تعرف كيف تغزو! والإفريقي الفرداني يعرف كيف يحفظ الكتاب المقدس والقرآن فقط. فأغلقوا المساجد والكنائس، وحرّقوا المصاحف والإنجيل، كي تسترجع إفريقيا عافيتها من خطر ديانات المستعمرين من الغرب والعرب.»(13)
وليس من قبيل المصادفة — في ضوء خلفيتها النسوية — أن تتخذ كاموا هذا الموقف الجدلي من الدين؛ فالتعامل النقدي مع الخطابات الدينية يُعدّ من “الأخلاقيات الفردية” التي نصّ عليها ميثاق النسوية الأفريقية الصادر عام 2006، كما مرّ معنا.
وما تزال كاموا ماضيةً في نقدها الحاد للديانات، إذ تقول في موضع آخر:
«من الضروري أن يتبنّى كل واحد منا هويته الدينية وفق الرموز الروحية المحيطة به. فمن اللعنة الحقيقية أن يعتنق الإفريقي — بشعره الجعد — الهندوسية أو البوذية أو اليهودية أو المسيحية أو الإسلام. ومن اللعنة أيضًا أن يخلق الإله شخصًا لغته الأم الولوف، ثم يطلب منه الصلاة بلغة العرب.»(14)
ومن خلال هذا الاستعراض السريع لانتقادات كلاريس كاموا للدين، يمكننا القول إنها تنطلق من المبادئ ذاتها التي صيغت في فرنسا ثم أعيد إنتاجها في المنتدى النسوي الأفريقي عام 2006. ولا تبدو كاموا استثناءً؛ فخطاب نقد الدين حاضرٌ — بدرجات متفاوتة — في طيف واسع من التيارات النسوية الأفريقية، بما في ذلك النسويات الماليات.
المحور الثالث: تطوّر النسوية في مالي وحضورها على المشهد العام عبر مسارات متعددة
أولًا: جذور النسوية المالية وملامحها في دساتير الدولة
يمكن تتبّع تاريخ النسوية في مالي عبر ثلاث مراحل كبرى شكّلت ملامح حضورها في المجال العام، سواء على مستوى القوانين أو الخطاب أو الحركة النسوية نفسها.
المرحلة الأولى: محاولة إدماج المساواة الجندرية في قانون الأسرة (2009)
برزت لأول مرة في تاريخ البلاد محاولة رسمية لإدماج مبادئ المساواة بين الجنسين في التشريعات الوطنية، وذلك عبر مشروع قانون الأسرة الذي طُرح سنة 2009 خلال عهد الرئيس أمادو توماني توري. وقد تضمّن المشروع بنودًا وُصفت بأنها خطوات إصلاحية مهمة من قبل مناصريها، من أبرزها:
- استبدال عبارة “السلطة الأبوية” بعبارة “السلطة الوالدية” ما اعتبره بعض الأئمة تهديدًا للهيمنة التقليدية للرجل والأب على الأسرة.
- تحديد سن الزواج بـ 18 سنة مخالفة للتقاليد المحلية التي تسمح بالزواج أحيانًا من سن 13 أو 14، مما أغضب الأوساط المحافظة.
- الاعتراف فقط بالزيجات المسجلة أمام موظف الحالة المدنية أدى ذلك إلى اعتراض الأئمة الذين يرون أن الزواج الديني هو المرجعية الشرعية الأساسية.
- حق الطلاق بعد ثلاث سنوات من عدم التعايش المشترك أثار اعتراضات من جمعيات إسلامية، معتبرة أن ظروف سفر الرجل للعمل الطويل قد تُلزم المرأة بالطلاق بشكل غير عادل.
- مساواة الأطفال غير الشرعيين بحقوق الميراث مع الأطفال الشرعيين اعتبرته الجماعات الدينية والمجتمعية خرقًا للقيم التقليدية المتعلقة بالأسرة والميراث.
وتكشف هذه البنود عن حضور واضح لروح المطالب النسوية الفرنسية التي ظهرت خلال حقبة السبعينيات، خاصة في تركيزها على العلاقة التشاركية داخل الأسرة وإلغاء منطق الطاعة للزوج.
غير أنّ المشروع واجه رفضًا واسعًا من رجال الدين والتيارات المحافظة، الذين رأوا فيه مساسًا صريحًا بالمرجعيات الإسلامية وبالبنية الاجتماعية التقليدية، ما أدى إلى إجهاضه وإعادة صياغته في نسخة أكثر توافقًا مع المرجعية الدينية.(15)
المرحلة الثانية: عودة الملف النسوي مع حراك 5 يونيو – إم5 (2020)
شهدت هذه المرحلة إعادة إحياء النقاش حول حقوق المرأة، بالتزامن مع الحراك الشعبي الواسع الذي مثّلته حركة 5 يونيو – إم5. وقد برزت خلالها محاولات الدفع بمشروع قانون مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي (VBG)
لكن المشروع واجه مرة أخرى معارضة دينية قوية، خصوصًا من شريف بويي حيدرا (Bouyé Haidara)، الذي اعتبر أن بعض بنوده تتناقض مع القيم الإسلامية، وطالب بعزل الوزيرة المسؤولة عن طرحه. وانتهى المشروع إلى التجميد، دون أن يُسمح له بالمرور إلى مرحلة النقاش البرلماني الموسّع. (16)
المرحلة الثالثة: مرحلة المواجهة الفكرية وصعود النسوية الرقمية
وهي المرحلة التي تعيشها مالي اليوم؛ إذ لم تعد النسوية تقتصر على محاولات سنّ قوانين أو إدخال تعديلات تشريعية، بل انتقلت إلى مستوى المواجهة الفكرية والجدل العلني حول دور المرأة، والدين، والجسد، والأسرة، والسلطة الذكورية.
وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في خلق فضاء جديد سمح بظهور خطاب نسوي أكثر جرأة، وأتاح للناشطات والكاتبات والمحتويات الماليّات مساحة لبناء حضور لافت عبر النقاشات المباشرة، والأعمال التوعوية، ونقد الأعراف التقليدية.
ومع هذا الفضاء الرقمي، برز جيل جديد من النسويات، أغلبهن من الطبقات المتعلّمة في المدن الكبرى، استطعن فرض حضور مؤثر رغم محدودية التغيير القانوني والمؤسسي، ونجحن في جعل قضايا النساء جزءًا من النقاش العام اليومي في مالي.
ثانياً: ناشطات نسويات ماليات وأبرز القضايا المثارة للجدل
1 ـ نانا دياباتي وجدل “الإسلام من عادات العرب”
في 16 مارس 2025 (العاشر من رمضان)، استضاف الناشط إدريس مارتنز كونيب idriss martinez konipoعبر منصة Mediatik مناظرة علنية جمعت الناشطة النسوية Nana Diabaté والمرشدة الاجتماعية Ami Koné، تناولت بالخصوص سلطة الرجل داخل الأسرة. انصبّ الحوار حول قضيتين رئيسيتين: (أ) مفهوم المساواة داخل الزواج، و(ب) مدى إلزامية المرأة بالأعمال المنزلية وخدمة أهل الزوج.
أ ـ المساواة داخل الأسرة
ترى أمي كوني (Ami Koné) أن العلاقة الزوجية تقوم على التكامل لا على التطابق؛ فالمساواة حسبها ليست تساويًا في الأدوار بالضرورة، بل احترام طبيعة كل طرف. وتستدلّ بأن فكرة خلق المرأة من الرجل تُقرأ بوصفها رمزًا للتكامل وليس دليلاً على تفوّق أحدهما على الآخر.
وباالمقابل، رفضت نانا ديابيتي (Nana Diabaté) هذا الطرح بشدّة. وقدّمت اعتراضًا دينيًا على فكرة “خلق المرأة من ضلع الرجل”، متسائلة: إذا كانت قدرة الله مطلقة وتقول للشيء كن فيكون، فلماذا لم يُخلق آدم وحواء من أصل واحد، أو تُخلق حوّاء من تراب كما خُلق آدم؟
وعندما واجهها المضيف بالسؤال عن النصوص القانونية المالية التي تنصّ على أنّ الرجل هو «ربّ الأسرة» رغم دعوتها إلى المساواة، ردّت نانا بأنّ هذه البنود مستوحاة من قراءات دينية محافظة للقرآن، ولذلك — في نظرها — تعكس بنية ذكورية راسخة وليست أحكامًا عادلة أو ملزمة بطبيعتها.
ب – الأعمال المنزلية وخدمة أهل الزوج
اعتبرت أمي كوني أن قيام المرأة بالأعمال المنزلية وخدمة ذوي الزوج يدخل في إطار منظومة أخلاقية وعرفية إفريقية تُعدّ فخرًا ثقافيًا عند كثير من النساء، ولا ينبغي النظر إليها دائمًا بوصفها قهرًا مفروضًا. أمّا Nana فعارضت هذا الطرح، معتبرة أن الواجبات الزوجية لا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لاستغلال المرأة، وأوضحت أنّ “الملزِم” في الزواج — في نظرها — يتركز على العلاقة الجنسية والالتزام العاطفي، وأن المرأة شريكة للرجل وليست خادمة له أو لأهله.
ثم انتقلت نانا إلى سرد رواية تاريخية تزعم أنها دليل على أصالة المساواة بين الجنسين في التقاليد الإفريقية. وتقول في هذا السياق إنّ إفريقيا قبل وصول العرب كانت تمنح المرأة أدوارًا اقتصادية وسياسية وعسكرية، وإنّ السياسات والتأويلات التي رافقت دخول العرب أدّت، بحسب وصفها، إلى إضعاف النساء اقتصاديًا، وتجهيلهن، وإقصائهن من الأدوار العامة، ثم حصرهن داخل البيت نتيجة السيطرة المفروضة عليهن.
وقد ذهبت أبعد من ذلك باتهام بعض الشخصيات التاريخية — كالملك منسا موسى والحاج عمر الفوتي — بأنّهما “تماهيا مع الغزاة العرب” على نحوٍ أسهم في تراجع مكانة المرأة الإفريقية، وفق تعبيرها.(17)
2 ـ كوشتش بنتا (Coach Binta): جدلية الاختيار بين الأم والزوجة
على خطى نانا، برزت الناشطة كوشتش بنتا التي أثارت جدلاً واسعًا في منصّتها حول سؤال حساس: من يأتي أولًا في حياة الرجل — الأم أم الزوجة؟
ترى بنتا أن الرجال في مالي يسندون مكانة أعلى للأم مقارنة بالزوجة، وأن هذا ترتيبٌ خاطئ لأن للزوجة مكانة أساسية لا تقلّ عن مكانة الأم. تستند بنتا في حججها إلى ما تعتبره وظيفة حيوية للزوجة: هي التي تلد أبناء الرجل وتشارك في تأسيس الأسرة، مضيفة أن في كثير من الحالات تحلّ الزوجة مكان الأم في العلاقات العملية والعاطفية، لذا يجب أن تنعكس أولويتها في سلوك الرجل.
ولم تكتفِ بنتا بالحجة الاجتماعية فقط، بل أضافت استدلالًا دينيًا مفاجئًا: استشهدت بقصة الخلق مركّزة على أن حواء خُلقت لتكون زوجًا لآدم لا أمًا له، فاستنتجت من ذلك أسبقية مكانة الزوجة. هذا الاستدلال أثار جدلًا كبيرًا حول مدى ملاءمة قراءة النص الديني لتبرير ترتيب علاقات عاطفية واجتماعية في العصر المعاصر.(18)
ثالثا: ملاحظات أساسية حول الخطاب النسوي المالي
- توظيف حرية التعبير كمدخل لمهاجمة الإسلام والعادات المحلية: يعتمد هذا الاتجاه خطابًا يبرّر انتقاد الإسلام والتقاليد الراسخة باسم “الحرية الدينية” و“النقد الفكري”، في امتداد واضح للنسوية الراديكالية الغربية التي تقدّم حرية الجسد والمعتقد على أي مرجعية دينية أو أخلاقية.
- تفكيك البنى العائلية التقليدية: يتم ذلك من خلال الطعن في مركزية الأم ومكانتها الرمزية والاجتماعية داخل الأسرة الإفريقية، في انعكاس لتأثر مباشر بالنموذج الأسري الغربي الحديث الذي يمنح الزوجة موقعًا مركزيًا داخل الأسرة النووية على حساب عائلة الزوج، ولا سيما الأم.
- تبنّي أفكار كيميتية ذات نزعة عنصرية: تتبنى بعض هذه الخطابات مرجعيات كيميتية تقوم على تمجيد الذات الإفريقية القديمة، مقابل رفض كل ما هو عربي أو إسلامي، في إطار رؤية صدامية ترى في الإسلام عنصرًا دخيلًا يجب مقاومته. ما يعكس خللا فكريا حيث يقبلون الدخيل من الغرب ويرفضون الإسلام الذي ربما لم يفض إلى خلل اجتماعي منذ انتشاره في القارة.
- اعتبار الإسلام استعمارًا لإفريقيا: تروّج نانا – وغيرها – لفكرة أن دخول الإسلام إلى إفريقيا كان مشروعًا استعماريًا هدفه السيطرة على النساء وإضعافهن، وهو خطاب شائع في الأدبيات الكيميتية مثل أعمال دومبي فاكولي، رغم تهافته تاريخيًا وثقافيًا.
- الخلط بين الإسلام والعروبة: يظهر هذا الخلط في اتهام الخصوم بأنهم “عبيد للعرب”، والقول بأن “كل من يؤمن بالله تابع للعرب لأن الإسلام من صنع العرب”، وهو دمج متعسّف بين الدين والعرق، يعكس الفهم الكيميتي القائم على تفسير ديني-عرقي للصراعات الثقافية.
- إظهار عداء صريح للإسلام والعرب: يتجلى ذلك في تصريحات مباشرة تنمّ عن موقف عقائدي رافض للإسلام وللثقافة العربية، وهو جوهر الخطاب الكيميتي الذي يرى الإسلام “غزوًا ثقافيًا” ينبغي تفكيكه واستبداله بمرجعيات إفريقية قديمة.
- إعادة تأويل النصوص الدينية والأسطورية: يُعاد تفسير قصة خلق آدم وحواء بشكل انتقائي لخدمة خطاب المساواة المطلقة أو لإدانة الدين، في منهج يوازي الطريقة الكيميتية في قراءة التراث الديني قراءة صدامية وعدائية.
وبالتالي، يمكننا أن نخلص إلى أن هذا الاستطراد يكشف أن النسويات الماليات – والأفريقيات عمومًا – يحاولن إعادة إنتاج الخطابات النسوية الغربية، خصوصًا في نقد “النظرة الذكورية” لسفر التكوين، ثم إسقاط هذه الرؤية على واقع مالي يغلب عليه الطابع الإسلامي والثقافة التقليدية.
غير أن هذه المقاربة تمثّل مغالطة جوهرية؛ لأن الإسلام، بخلاف الكنيسة في العصور الوسطى، لم يسلب المرأة حقوقها، بل منحها من الامتيازات ما لم يكن متاحًا لها في المجتمعات السابقة، مثل الذمة المالية المستقلة، والحق في الميراث، والأهلية القانونية.
أما اجتماعيًا، فإن البنية الثقافية للمجتمع المالي/ الأفريقي– بما فيها من روابط أسرية قوية، ومكانة مركزية للأم، وتقاليد راسخة – لا تنسجم مع النموذج الغربي القائم على الفردانية ومركزية الزوجة داخل الأسرة النووية. ولذلك تواجه هذه الخطابات النسوية رفضًا دينيًا واجتماعيًا واسعًا، لافتقارها إلى الانسجام مع الهوية المحلية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن شريحة من الشابات بدأت تتأثر بهذا الخطاب، بفعل الانتشار المتسارع لوسائل التواصل الاجتماعي التي وفّرت لهذه الأفكار منصات لم تكن متاحة سابقًا. وهو ما قد يؤدي — مع مرور الوقت — إلى تغيّر ملحوظ في تصور الأجيال الجديدة للعلاقة بين الرجل والمرأة، والزوجة والأم، ما لم يُقابَل ذلك بوعي فكري قادر على نقد هذه النماذج الوافدة.
ولعل من مقتضى الإنصاف أن نساير الكاتب عمر لي في ملاحظته بعدم رمي بعض مظاهر النسوية التي تتناغم مع مقاصد الإسلام، كما نتفق مع الدكتور سورو في تصنيفه للحركة النسوية الأفريقية إلى يسارية متسالمة ويمينية متطرفة.
فمناضلات أفريقيات مثل الدكتورة المالية أمينتا دراماني توري، إلى جانب ناتالي يامب، لا يسعنا إلا أن نضعهن ضمن صفوف مناضلي تحرير إفريقيا، تمامًا كما نعتبر سانكارا ولومومبا رموزًا للنضال الوطني. وهكذا، نستخلص أن النضال من أجل حقوق المرأة الذي لا يصطدم مع الإسلام في إفريقيا، يُعد جزءًا لا يتجزأ من النضال من أجل الهوية والسيادة الثقافية.
الخاتمة والتوصيات
في ضوء ما تم عرضه من تحليل للنسوية في مالي وأثر النسوية الغربية عليها، يتضح أن التحدي الأكبر يكمن في التوفيق بين حقوق المرأة، كما ترى النسوية المتطرفة، والموروث الديني والثقافي. فالإسلام منح المرأة حقوقًا ملموسة تشكّل قاعدة مهمة لحماية مكانتها، غير أن بعض الخطابات النسوية المستوردة قد تتعارض مع الهوية الدينية والثقافية المحلية.
ومن هنا يبرز دور المجال الديني كعنصر محوري في توجيه النقاش العام حول المرأة، عبر تعزيز الحوار البنّاء بين العلماء والناشطات، والحرص على بيان الحقوق التي كفلها الإسلام للمرأة بصورة واضحة ومعاصرة، والاستفادة من وسائل الإعلام الرقمية لنشر الوعي. كما يُنصح بتبني قراءة نقدية متوازنة للنصوص الدينية، تحافظ على الأصالة الثقافية والهوية الدينية، وتواكب في الوقت ذاته تطلعات النساء وحقوقهن المشروعة في المجتمع المالي.
ويمكن للدعاة في هذا الصدد الاستفادة من بعض مظاهر النسوية المتناغمة مع مقاصد الإسلام—مثل الدعوة إلى العدل وكرامة المرأة وتمكينها—لبناء أرضيات مشتركة مع الناشطات، وتقديم خطاب ديني قادر على تصحيح المفاهيم وتقريب الرؤى، بما يعزز الفهم الصحيح لمكانة المرأة في الإسلام.
في مواجهة خطاب الخلط بين الإسلام وعادات العرب، ينبغي اعتماد خطاب تربوي ودعوي فعال يوضح أن الدين الإسلامي قائم على مبادئه الجوهرية، بينما العادات والتقاليد تختلف باختلاف المجتمعات والثقافات. يجب التأكيد على أن معظم التقاليد الإفريقية القديمة كانت منسجمة مع تعاليم الدين، مما سهّل على الأفارقة اعتناق الإسلام بحرية وبدون إكراه، وأن أي مزج مغلوط بين الدين والعرق لا يعكس الحقيقة التاريخية.
فعلى الدعاة والعلماء تفكيك هذه المغالطات، مع تقديم أمثلة عملية توضح استقلال الشريعة الإسلامية عن أي سيطرة ثقافية أو عرقية، واحترام العادات المحلية ضمن حدود مقاصد الدين. كما يمكن للجامعات الأهلية أن تلعب دورًا محوريًا من خلال تشجيع الدراسات البحثية التي تقارن بين العادات والتقاليد قبل الإسلام وبعده، لتوضيح مناطق التوافق والاصطدام، وتقديم قاعدة علمية تساعد على بناء خطاب ديني وثقافي متوازن يعزز الوعي العام ويقوي الفهم الصحيح للهوية المحلية والإسلامية.
كما ينبغي مواجهة الخطاب النسوي السطحي الذي يستند أحيانًا إلى سرديات منحرفة للتاريخ أو مؤلفات كيمتية، ويقدّم تاريخ الإسلام في إفريقيا بصورة مغلوطة كأداة للاستعمار والقمع الذكوري.
وفي هذا الإطار، يبرز دور الشباب الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي في إنشاء منصات رقمية، بما في ذلك “بودكاستات”، لتقديم تاريخ الإسلام الإفريقي بطريقة صحيحة وجذابة، تسلّط الضوء على حسن تعامل الإسلام مع السكان المحليين، وبخاصة مع حقوق المرأة ومكانتها، مع التركيز على نماذج النساء المسلمات الرائدات في المجتمع المالي. هذه المقاربة تعزز الفهم الصحيح لدى الرأي العام وتمكّنهم من التمييز بين الحقائق والادعاءات المغلوطة.
_____________
الهوامش والمصادر
1 سارة جامبل: النسوية ومابعد النسوية(دراسات ومعجم نقدي) ترجمة: أحمد الشامي، المجلس الأعلى للثقافة 2002.ص، 24.
2 سارة جمبل، المصدر السابق، ص، 28.
3 المصدر السابق، ص، 25.
4 نفس المصدر، ص، 22- 23.
5 نفسه، ص، 72.
6- انظر:ويكبيديا: حركة تحرير المرأة الفرنسيةMFL
7 د. آدم بامبا، الثقافة الأفريقية مؤثّرات واتجاهات، قراءات إفريقية، العدد( 32) أبريل 2018.
8 انظر: عمر لي، النسوية في رواية “رسالة طويلة جدًا” نموذج من الأدب السنغالي، موقع أفريكا ترندز19 أبريل 2024.
9 عمر لي، المصدر السابق
10 راجع: ميثاق البادئ النسوية للنسويات الأفارقة، منشور في موقع : The African womens développement fund.
طبعة صندوق تنمية المرأة الإفريقية 2007 – 2017 ص، 3.
11 راجع: ميثاق المبادئ النسوية، ص، 7.
12 انظر : محمود سورو، الاصول الفكرية للحركات الأفريقانية ومناهجها في التعامل مع النص القرآني، الطبعة الأولى 2025 قراءة إفريقية. ص، 205
13 محمود سورو المصدر السابق، ص، 206.
14 نفس المصدر، ص، 208.
- انظر: L’Orient‑Le Jour, « Au Mali, le nouveau code de la famille suscite un tollé parmi les religieux, » 10 août 2009.
- انظر: Maliweb, « M’Bouillé Haïdara demande : Le limogeage du ministre Founè Samaké, » 30 ديسمبر 2020.
17 – قناة Mediatik tv ، بعنوان: «Débat entre Nana Diabaté et Ami Koné sur la supériorité de l’homme sur femme dans un foyer»، فيديو YouTube، نُشر بتاريخ 16 مارس 2025.
18 – قناة 880tv، بعنوان: «CONFESSION NOCTURNE épisode 1 / TA MERE OU TA FEMME PRESENTEE PAR COACH BINTA»، فيديو YouTube، نُشر بتاريخ 20 أغسطس 2025.
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
































