تعاني العديد من دول القارة الافريقية من أزمة الفساد المالي والإداري وذلك بسبب غياب آليات الشفافية والمساءلة الكافية من خطر إساءة استخدام أموال الدولة أو اختلاسها بأي شكل من الأشكال، وهو ما جعل أغلب دول القارة تعيش في تخلف، وتعاني العديد من الأزمات والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية رغم ما تتمتع به من إمكانات متنوعة.
وتعد جمهورية تشاد إحدى هذه الدول إذْ واجهتْ منذ سنوات طويلة ظاهرة الفساد المالي والإداري وذلك بسبب الإضطرابات السياسية والحروب الأهلية والتي أثرت بشكل مباشر على المؤسسات الحكومية وأضعفت من قدرتها على مواجهة هذه الأزمة.
وسنحاول في هذه المقالة الحديث عن جهود الدولة التشادية على مر السنوات الماضية في مكافحة هذه الأزمة والنتائج التي تحققت خلال تلك السنوات مع التركيز على مبادرة الرئيس الحالي محمد إدريس ديبي وتقييم ما حققته من نتائج ملموسة إلى جانب رصد أهم التحديات التي قد تعيق تنفيذ هذه المبادرة.
لمحة تاريخية عن سياسة مكافحة الفساد في تشاد
ارتبط انتشار الفساد المالي والإداري في تشاد بسياق سياسي وأمني معقد وطويل، فالاضطرابات السياسية والأمنية المتتالية أثرت بشكل مباشر على المؤسسات الحكومية وفي قدرتها على مكافحة الفساد.
فبحسب تقارير رسمية صدرت عن السلطة المستقلة لمكافحة الفساد في تشاد تشير إلا أن الخسائر الناجمة عن الممارسات غير الشفافة تقدر بمليارات الفرنكات سنويا، وتكشف التقديرات إلى أن بعض القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية تفقد ما بين 20 إلى 30٪ من ميزانياتها سنوياً بسبب الرشوة والصفقات المشبوهة.
وقد عملت الدولة منذ التسعينات على اتخاذ خطوات نحو تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، إذْ تم تأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في العام 1999 كخطوة رئيسية في هذا الإطار.
لكن وبسبب الإخفاقات المتكررة والبيئة الأمنية المتوترة خصصت الحكومة التشادية فيما بعد وزارة خاصة بها تحمل إسم “وزارة المفتشية العامة للدولة والتطهير” والذي لم يدم طويلا هو الآخر حيث تم استبداله بالمفتشية العامة للدولة في العام 2015م.(2)
وقد نجحت هذه المؤسسة نسبياً في مهامها حيث استمرّت فترة عملها من ذلك التاريخ إلى العام 2021 واستطاعت في تلك الفترة استرداد العديد من ممتلكات الدولة إلى الخزينة العامة ومحاسبة بعض المتورطين في عمليات الاختلاس والسرقة رغم عدم قدرتها على التحقيق مع بعض الجهات والشخصيات ذات النفوذ في الدولة.
كما ظهرت في الفترات الأخيرة مبادرات وطنية تهدف إلى مكافحة الفساد في البلاد مثل “مبادرة تشاد صفر فساد” التي أطلقتها منظمة الشفافية التشادية بالتعاون مع بعض منظمات المجتمع المدني والاي نفذت العديد من الأنشطة التوعوية ودعوة المواطنيين إلى رصد حالات الفساد والإبلاغ عنها للمساهمة في معالجة هذه الأزمة.
ورغم كل ذلك فقد احتلت تشاد المرتبة 158 من أصل 180 دولة وفقاً لمؤشر مدركات الفساد لعام 2024 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بمستويات الفساد في البلاد.
مرحلة الرئيس محمد إدريس ديبي
بدأ الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي منذ فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في السادس من مايو 2024 معركة حامية الوطيس ضد الفساد المالي في البلاد وذلك بعد أن بلغت عمليات اختلاس أموال الدولة ذروتها وأصبحت الخزينة العامة للدولة تعاني باستمرار نتيجة هذه الممارسات.
وقد تعهّد الرئيس محمد إدريس ديبي بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية بمواجهة هذه الأزمة على كافة المستويات واصفًا نهجه بأنه حرب شاملة تتبناها الحكومة خلال الفترة المقبلة.
كما أكد رئيس الجمهورية في خطاب متلفز إلى الأمة التشادية بمناسبة حلول العام الجديد 2026 بأن البلاد دخلت مرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والبناء المؤسسي متعهداً بجعل السنة المقبلة “سنة الحسم” في محاربة الفساد وترسيخ العدالة.
وقد كانت أولى خطوات الرئيس في هذا الإطار كانت تأسيس هيئة مستقلة لمكافحة الفساد تحت اسم الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد وذلك بموجب الأمر رقم 007/PR/2023 المؤرخ في 1 أغسطس 2023 والتي تركز في مهامها على الأفراد والمؤسسات الخاصة ذات العلاقة بالدولة وتعنى بمكافحة الفساد وتعزيز مبادئ الحكم الرشيد.
ولإضفاء مزيد من الجدية والمصداقية على عمل الهيئة تم تعيين السيد عثمان عبد الرحمن جورو رئيساً للهيئة والمراقب العام لها وهو شخصية معروفة بالنزاهة والشفافية.
ومنذ ذلك الحين بدأت الهيئة بمهامها في إجراء عمليات البحث والتحقيق المكثفة والتي أسفرت عن اعتقال العديد من الشخصيات البارزة واسترداد بعض ممتلكات الدولة.
وفي خطوة لاحقة تعكس تصعيدًا واضحًا في نهج مكافحة الفساد وقّع رئيس الجمهورية محمد إدريس ديبي في نهاية شهر ديسمبر الماضي مرسومًا رئاسيًا آخر يقضي بإنشاء هيئة قضائية متخصصة داخل المحاكم العادية تُعنى بمحاكمة مرتكبي الجرائم الاقتصادية والمالية ويترأسها وزير العدل شخصيًا وقد أثارت هذه الخطوة جدلاً واسعًا حيث اعتبرها البعض في تدخلاً محتملاً يمس باستقلالية السلطة القضائية.
تقرير الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد لعام 2025
في مأدبة غداء داخل فنيقارب 1.62بلو بالعاصمة أنجمينا وأثناء احتفالها بمناسبة اليوم العالمي للنضال ضد الفساد في العاشر من الشهر ديسيمبر الماضي من العام 2025م أعلنت الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد في تشاد تقريرها السنوي والذي تصمّن تنفيذ 37 مهمة تدقيق في مؤسسات عامة، شملت عملية تصحيح مالي بلغ أكثر من 910 مليار فرنكا سيفا (ما يقارب 1.62 مليار دولار أمريكي)، واسترداد فعلي قدره 120 مليار فرانك سيفا أي حوالي (213 مليون دولار أمريكي تقريبًا) من بينها 38.9 مليون دولار أمريكي أعيدت إلى الخزينة العامة للدولة.
أما من ناحية الإجراءات الميدانية فقد ذكرت الهيئة انها استطاعت استرجاع 31 مركبة استحوذ عليها عدد من الموظفين بشكل غير قانوني.
كما خضع نحو 92 شخصاً للمساءلة القانونية من بينهم 54 موقوفين و38 أُحيلوا إلى القضاء وستة أفراد صدرت بحقهم أحكام نهائية فيما لا يزال 18 آخرين رهن الاعتقال بالإضافة إلى 14 شخصاً ما زالوا فارين ومطلوبين للعدالة.(3).
وقد أحدثت هذه الأرقام موجةً من ردود الفعل المتباينة في الشارع التشادي حيث عبّر البعض عن ترحيبهم بالخطوات المتخذة تجاه هذه القضية ومن بينهم أعضاء برلمانيون والذين عبّرو عن ضرورة تشديد الإجراءات وتعزيز الآليات الرقابية لمنع تكرار مثل هذه التجاوزات داعين الرئيس والحكومة إلى اتخاذ مزيد من التدابير الحازمة لضمان الشفافية وحماية المال العام.
التحديات الرئيسية التي يواجهها الرئيس محمد ديبي
يواجه الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي العديد من الصعوبات والتحديات لتنفيذ مبادرته هذه والتي يسعى من خلالها إلى القضاء التام على مظاهر الفساد في البلاد ويمكن تلخيص أبرز تلك التحديات فيما يلي:
1. نفوذ بعض المتهمين في الفساد
يتمتع بعض المسؤولين المتهمين بالفساد في تشاد بنفوذ كبيرة داخل الدولة حيث يشملون جنرالات ووزراء شغلوا مناصبهم منذ عهد الرئيس السابق إدريس ديبي قبل مقتله في الحادي والعشرين من أبريل من العام 2021 وتولي ابنه محمد إدريس ديبي الرئاسة، ويعتبر هؤلاء أصدقاء السلاح والثورة للرئيس السابق إدريس ديبي إذ عملوا معه منذ أيام تمرده ضد نظام الرئيس الأسبق حسين هبري قبل ما أكثر من ربع قرن ما يمنحهم نفوذاً ممتدا دخل مؤسسات الدولة.
ولا يقتصر تأثير هؤلاء على عرقلة التحقيقات أو منع استجوابهم فقط بل يمتد أحيانًا إلى حماية آخرين متورطين في اختلاس أموال الدولة بسبب القرابة أو العلاقات الخاصة،وقد يلجأ بعضهم أحيانًا للتدخل عبر الرئيس مباشرة لمنع استجواب أشخاص معينين وقد حدثت حالات كثيرة من هذا النوع وكشفت عنها صحيفة تشاد وان،مما يزيد من تعقيد الوضع أمام الهيئة.
2. ضعف الوعي المجتمعي وترسّخ ثقافة التطبيع مع الفساد
يُعدّ ضعف الوعي الاجتماعي أحد التحديات الأساسية التي تعيق جهود مكافحة الفساد في تشاد إذ تسود في أوساط واسعة من المجتمع قناعة راسخة مفادها أن المسؤول الذي يُعيَّن في منصب عام ينبغي عليه استغلال فترة وجوده في السلطة لجمع أكبر قدر ممكن من الأموال قبل مغادرته المنصب، وقد أسهم هذا التصور في تطبيع الفساد اجتماعياً إلى حدّ أن المسؤول النزيه يُنظر إليه أحياناً بوصفه محدود الذكاء لعدم استثماره الفرصة المتاحة له.
وتؤدي هذه الثقافة السلبية إلى تقويض أي مبادرات إصلاحية وتضعف من ترسيخ قيم النزاهة داخل المجتمع.
اتهامات الفساد التي تواجه الرئيس نفسه
بفضل موقعه العسكري ومكانته كابن للرئيس في عهد ديبي الأب فإن محمد ديبي هو نفسه وبعد المقربين منه يواجهون اتهامات بالفساد المالي والاختلاس إضافة إلى ممارسات أخرى تجاوزت ذلك عندما كان يعمل في المديرية العامة لأمن مؤسسات الدولة في عهد والده الراحل.
ولم تتوقف هذه التهم عند حدود الماضي؛ بل استمرت في ملاحقة الرئيس بعد توليه السلطة أيضاً وهو ما كشفت عنه بعض الصحف المحلية المعارضة، مثل تحويل بعض الشركات الوطنية إلى ملكية خاصة للرئيس وبعض المقربين منه بالإضافة إلى عمليات شراء فاخرة لليخوت والسيارات والألبسة التي تجاوزت قيمتها ملايين الدولارات في دول أوربية وتحديداً فرنسا وبلجيكا.
وقد لعبت السلطات الفرنسية على هذا الوتر قبيل انتهاء المرحلة الانتقالية في تشاد، وذلك عندما حاول الرئيس محمد ديبي التقرب من موسكو وأقدم على الزيارة التاريخية إلى روسيا في يناير 2024 والتقى بالرئيس بوتين بالكرملين، ما جعلت بعض وسائل الإعلام الفرنسية تنشر بعض الوثائق التي تفيد بتحويل أموال إلى فرنسا بطرق غير قانونية وشراء سلع فاخرة ما أدى إلى فتح تحقيق في ممتلكات عائلة ديبي في فرنسا، ما دفع وزير الخارجية التشادي آنذاك إلى الخروج ببيان رسمي أدان فيه ما ورد في تلك التقارير ودعى فيها الشعب التشادي إلى التضامن مع رئيس الجمهورية. (4)
وتبرز هذه الأحداث تحدياً كبيرا أمام الهيئة التي يفترض أن تكون مستقلة في مهامها دون أي قيود وتقودنا إلى الإفتراضية الشائعة والتي تقول بأن الهيئة لم تنشأ إلاّ بغرد تصفية الحسابات وتنحية بعض الشخصيات من مواقعهم داخل مؤسسات الدولة كما ظهر في حالة مدير المكتب المدني برئاسة الجمهورية السابق الجنرال إدريس يوسف بوي والذي تم استهدافه مباشرة واحتجازه بتهم اختلاس الأموال.
الخاتمة
في ضوء ما تقدم فإن تشاد مثل غيرها من بلدان القارة عانت وتعاني بشدة من أزمة الفساد المالي والإداري ومن الواضح أن أغلب السياسيات التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة في البلاد قد أخفقت نوعاً ما من حل هذه الأزمة وإرساء دعائم النزاهة والشفافية في البلاد بما يضمن توظيف موارد الدولة في تحقيق التنمية المستدامة وتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين.
وبشكل عام يمكننا القول بأن مبادرة الرئيس محمد إدريس ديبي تمثل خطوة مهمة لتعزيز النزاهة والشفافية داخل مؤسسات الدولة ولو بشكل نسبي رغم التحديات السياسية والمؤسسية التي تحيط بها، خصوصاً إذا ما نظرنا إلى الحصيلة الكبيرة التي قدمتها اللجنة المكلفة في تقريرها السنوي الأخير وهو ما يؤكد الإرادة الحقيقية لتحقيق أهداف اللجنة رغم كل العوائق.
__________
المصادر
(1). Africa Eye (22 يونيو 2025). الفساد ينهك القارة الأفريقية: خسائر سنوية تقدر بـ120 مليار دولار. ورد على الرابط التالي:
https://africa-eye.com/2025/06/22/… تاريخ المشاهدة: 15/01/2026
(2). مجلة الحق( 01/06/2024). دور الأجهزة الرقابية في مكافحة الفساد في تشاد (مفتشية الدولة نموذجاً) ورد على الرابط التالي:
https://www.al-haqjournal.ly/index.php/alhaq/article/view/154
تاريخ المشاهدة: 18/01/2026
(3). الهيئة المستقلة لمكافحة الفساد تكشف عن حصيلة العام (10/12/2025). ورد على الرابط التالي:
https://lendjampost.com/
تاريخ المشاهدة: 18/01/2026
(4). جريدة القدس العربي: هكذا أنفق الرئيس التشادي مليون يورو في شراء بدلات فاخرة في باريس.(17 ديسمبر 2022).ورد على الرابط التالي:
https://www.alquds.co.uk/%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7-%D8%A3%D9%86%D9%81%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%8A%D9%88%D8%B1%D9%88-%D9%81%D9%8A/ تاريخ المشاهدة: 18/01/2026
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
































