في الآونة الأخيرة خاصة بعد تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ولايته الثانية بات من الصعب توقع تحركاته أو تفسير خطاباته، أو تحققها على الأرض الواقع؛ إلا أنه كان متناقض في رؤية التغيرات في الوتيرة الديبلوماسية ما بين طهران وواشنطن خاصة بعد أنْ ألغى الاتفاق النووي الذي كان يربط إيران والدول الغربية. وعليه، سيحاول هذا المقال الإجابة على السؤالين التاليين:
- كيف تحول الصراع الإيراني الإسرائيلي من حرب استنزاف سرية لعقود من الزمن إلى مواجهة مفتوحة تهدد بتفكيك النظام العالمي وإمدادات الطاقة؟
- تباين مواقف الدول الإفريقية فيما يخص الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران
أولا: من التلميح بالمواجهة إلى شنّ حرب شاملة تهدد النظام العالمي
على هامش هذه السنة كثيرا ما كنا نسمع ترديد القنوات الغربية عن أن إيران تسعى لامتلاك السلاح النووي مستندة إلى مستويات التخصيب التي تجاوزت 60% ما يشير على أنها اقتربت من صنع قنبلة نووية، وإيران طالما تمسكت بالحق في التخصيب لأغراض السلمية مع اتهام واشنطن بخرق الاتفاقية أولا [1][1]
عبر انسحابها الأحادي الغير المبرر، مما أضعف الثقة في المسارات الدبلوماسية بعد فشل جولات من المفاوضات بينهما. إعادة الولايات المتحدة فرض العقوبات القصوى على إيران لم تؤدي إلى اتفاق جديد بل دفعته إلى التوسع في أنشطتها النووية كأداة ضغط ما نتج عنه اشتعال تصعيدات دائمة بينهما ومن أبرزها:
حرب الإثنى عشر يوما
من 13 حتى 24 يونيو عام 2025م دخلت إسرائيل وإيران في مواجهة عسكرية مباشرة غير مسبوقة، بتبادل بين غارات جوية إسرائيلية كثيفة الذي يعد حليفة الأول لولايات المتحدة في الشرق الأوسط وضربات صاروخية إيرانية.
وتعتبر هذه المواجهة الأولى من نوعها بين جيشين نظاميين لدولتين لديهما برامج صاروخية وجوية متطورة، الذي أدى إلى تحول الصراع من «حرب الظل ” إلى مواجهة مفتوحة دامية.
ومع دخول الحرب في يومها الخامس تصاعد الحديث عن تدخل أمريكي مباشر حيث تم استخدام أسلحة أمريكية متطورة [2]لضرب منشآت نووية إيرانية عميقة التحصين ما يشير إلى وجود ” خط أحمر ” مشترك بين واشنطن وتل أبيب في منع إيران من عبور العتبة النووية المسموحة، وذلك حتى ولو كلفهم الدخول في حرب مباشر مع خطر اشتعال حرب دائم في الشرق الأوسط.
وتم خصم الأمر من قبل الرئيس الأمريكي عند إعلانه عن وقف الحرب، موازنا بين منع الإيران من امتلاك السلاح النووي وعدم الانجرار إلى حرب طويلة.
2ـ حرب الكلفة والانقسام
ابان الحرب الاثنى عشر يوما وبعد فشل جولات من المفاوضات في أمان، 28 فبراير 2026م شنت الولايات المتحدة مع إسرائيل ضربات واسعة على الطهران التي من خلالها تم استهداف المرشد الأعلى ” علي الخاميني” في ضربة جراحية متمثلا في تحول جذري لمسار التصعيد ما تعبره المحللون عن استهداف مباشر لعمق النظام السياسي والديني في إيران، أي خطوات جلي لتغييره بعد أن ردد واشنطن انه حرب محدود.
ورد إيران بضربات صاروخية بجانب وابل من المسيرات الانتحارية باستهداف مواقع حساسة في إسرائيل المحصنة بطبقات مختلفة من الدفاعات الجوية التي أثبتت الكفاءة في استنزاف الدفاعات الجوية المكلفة مثل الباتريوت والقبة الحديدية، والمدن العربية المجاورة لها التي تستضيف قواعد أمريكية، ما يكشف عن الاستراتيجية الإيران في تعميق الصراع ورفع الكلفة على الولايات المتحدة وخلفائها الإقليميين ليس فقط على إسرائيل.. ثم تعطيل الملاحة في مضيق هرمز كان الورقة الرابحة التي هددت الاقتصاد العالمي وأظهرت أن إيران، رغم تفوق خصومها العسكري تمتلك أوراق قوة هيكلية (الجغرافيا والطاقة ) تمكنها من فرض معادلة الردع .
اذا كان إدارة ترمب كانت قد اتفقت مع سابقيها في البيت الأبيض في منع الإيران عن امتلاك السلاح النووي إلا أنهم كانوا قد اكتفوا على وضع ضغوطات صارمة، كادت أن تنحك اقتصاد طهران على ركبتيه التي اجبرتها على توقيع اتفاقية عدم التخصيب اليورانيوم نظرا لكون إيران تمتلك ثالث أكبر احتياطيات نفطية (12 % عالميا ) وثاني أكبر احتياطيات العالمية غاز طبيعي (15-18%). فضلا عن سيطرتها على مضيق هرمز الذي يعد أهم ممر بحري للطاقة في العالم. حيث يمر عبره نحو 20_30 ناقلة نفط يوميا ، محملة بقرابة 20 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات، ما يعادل حوالي 40% الاستهلاك العالمي للطاقة.
ويعد مضيق هركز أيضا شريان حيوي لاقتصادات الخليج وآسيا، إلا أنه الوحيد جرأ في شن هجوم في أهداف حرب غير واضحة أهدافها، تارة يقال لا بد من تغيير النظام وتارة أخرى يختصر الحديث عن تقليص البرنامج النووي الإيراني والصاروخي فقط.
وبعد تحذيرات من انطباع الحرب على الاقتصاد العالمي خاصة أقدم خلفائه في أروبا الذين نمطو في تنويع مصادر الطاقة لتقليل اعتمادهم على النفط الروسي في بحث عن مصادر طاقة مستقرة.
وإذا كان الرئيس الأمريكي يردد عند هجماته الأولى على الطهران أنه تم مداولة موضوع الهجوم في عمقه والسيطرة على كل الاحتماليات وستكون حرب قصيرة الأمد إلا أن التطورات في الميدان تنحدر نحو اتجاه معاكس، و ذلك في كون الإيران ما زالت تمتلك أوراق اللعبة رغم مواجهتها قوة عسكرية غير متكافئة في امكانيتها على الحاق الضرر في عمق إسرائيل وأماكن حيوية في دول الجوار وتهديد اتفاقية بتر ودولار[3].
علما بأن انهيارها لا يعني سقوط الدولار فقط؛ بل إعادة تشكيل نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب ما قد يفسر وقوف قوى مثل الصين وروسيا في الظل لدعم إيران، وذلك في سيطرته على مضيق هرمز وامكانيته على زعزعة الاستقرار في باب المندب مع الحوثي.
ثانيا: تباين مواقف الدول الإفريقية فيما يخص الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران
لم تعد القارة الأفريقية مجرد مراقب فقط للنزاعات الدولية كما كان عليه الأمر؛ بل أصبحت “ترمومتر” يقيس مدى فاعلية القانون الدولي وتوازن المصالح. ومع اندلاع المواجهة المباشرة بين الحلف (الأمريكي – الإسرائيلي) وإيران، ظهر انقسام أفريقي حاد يعكس تباين الرؤى بين “واقعية المصالح” و”مثالية السيادة”.
1ـ القرن الأفريقي وأمن الخليج
ففي شرق القارة، وتحديداً دول القرن الأفريقي، لم يكن الموقف ضبابياً. فالعلاقة العضوية بين ضفتي البحر الأحمر جعلت من أمن الخليج امتداداً مباشراً للأمن القومي الأفريقي وفي تشابك المصالح حيث ترتبط دول مثل جيبوتي وإريتريا والصومال والسودان بشبكة معقدة من الاستثمارات الخليجية والموانئ الحيوية بينهم الذي تعد ركيزة أساسية في استقرار اقتصادهم الهشة. فيما ترى هذه الدول أن أي تهديد للملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب هو بمثابة “حكم بالإعدام” على اقتصاداتها الناشئة، مما دفعها لاتخاذ موقف متناغم مع حلفاء واشنطن لضمان استقرار تدفقات الطاقة والاستثمار.
2ـ جنوب أفريقيا والسنغال
على المقلب الآخر، تقود جنوب أفريقيا ومعها السنغال تياراً يرفض الانجرار وراء القوة الخشنة، مستندين إلى إرث طويل من النضال ضد الهيمنة الغربية على القارة الافريقية ،حيث تستند بريتوريا ودكار إلى المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على حظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها في العلاقات الدولية ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، أو بأي طرقة لا تتفق مع مقاصد الأمم المتحدة. مؤكدتين أن استخدام القوة العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية يمثل خرقاً صريحاً للسيادة الدولية مع رفض “الدفاع الاستباقي” التي ترددها إسرائيل انها أمام حرب وجودي في الشرق الأوسط أمام قوى معادية للسامية ، و حذرت هذه الدول من أن القبول بمبدأ “الضربة الاستباقية” الأمريكية سيفتح الباب لشرعنة الغزو في أي مكان في العالم، مما يهدد الدول الضعيفة والمستقلة وكذلك استقرار العالم.
وفي الوقت ذاته في نقد متوازن، لم تمنح هذه الدول “صكاً على بياض” لطهران؛ بل أدانت الردود الإيرانية التي استهدفت دول الجوار العربي، معتبرة إياها تجاوزاً لحدود “الدفاع المشروع” المنصوص عليه في المادة 51 من الميثاق[4].
في الواقع وبعيداً عن المواقف السياسية، تواجه القارة الافريقية ككل “كابوساً اقتصادياً” نتيجة لهذا الصراع من أزمة للوقود عندما تتعرض مضيق هرمز لتهديدات مباشرة وارتفاع أسعار الطاقة لمستويات قياسية، ما قد يهدد بانهيار الموازنات الأفريقية التي تعتمد كليا على الاستيرادات الخارجية.
وعند اضطراب الإمدادات، وأي شلل في الممرات المائية يعني تأخر وصول السلع الأساسية والمواد الخام، ما سيضع القارة أمام موجة تضخم غير مسبوقة قد تؤدي لاضطرابات اجتماعية واقتصادية خطيرة من قارة تعاني أصلا من أزمات أمن غذائي، خاصة لم تتعافى هذه بعد من صدمات جائحة كورونا ووقف وتجميد في تمويل العديد من برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية[5] :
الخلاصة
وفي حضم هذا الحرب يبقى الثابت الوحيد هو أن القارة الإفريقية رغم بعد مسافتها عن طهران، إلا أنها تظل الأكثر تأثرا بشظايا هذا الصراع العالمي. ويرجع السؤال في هل تملك إيران القدرة على اطالة أمد الحرب رغم عدم تكافؤ القوى مع خصومه، مما قد يهدد ب ” شلل اقتصادي عالمي” غير مسبوق، وتداعياته جلي أنه ستكون أفريقيا هي الضحية الأكبر فيها بسبب هشاشة اقتصاداتها واعتمادها على الاستيراد.
وكلما ازداد أمد الحرب وعواقبه ستكون وخيمة على كل من مضيق هرمز وباب المندب ما قد يهدد مسار الملاحة العالمية ما قد يخلق “صدمة مزدوجة ” التي قد تضع القارة الافريقية بمواجهة تداعيات اقتصادية حادة مثل التضخم وارتفاع أسعار الوقود وامدادات النفط وحركة البضائع المتجهة إلى افريقيا ما قد يؤدي إلى التباطؤ ويؤر سلبا على النمو الاقتصادي الافريقي
أما تباين مواقف الدول الإفريقية، فيعكس نضجا سياسيا، فبينما تدافع دول عن أمنها الاقتصادي المباشر ، تدافع أخرى عن روح “القانون الدولي” لكن الثابت الوحيد هو القارة السمراء، رغم بعد مسافتها عن طهران، تظل أكثر تأثرا بشظايا هذا الصراع العالمي.
لذا يستوجب على المسؤولين ضرورة إعادة التفكير في أولويات سياسية وطنية وإقليمية، وتعزيز القدرة على موازنة مصالحها الاقتصادية باشتراط متطلبات الأمن والسلام الدوليين. وتأكيد دور القارة كلاعب أساسي ومسؤول وفعال في السياسة الدوليين.
وأخيرا، كشفت هذا الحرب عن ملامح نظام عالمي جديد في الشرق الأوسط وأهمية استقرار كل من شرق الأوسط والمسارات الاقتصادية، حيث لم تعد الحروب تحسم في الميدان فقط، بل في قدرة الأطراف على تحمل الكلفة الاقتصادية واستمرارية سلاسل الامداد.
وبالنسبة لإفريقيا التي ظلت بعيدة عن دائرة صنع القرار في هذا الصراع، فإنها ستكون في قلب دائرة التداعيات، مما يفرض عليها إعادة النظر في سياساتها الحياد وتنويع مصادر طاقتها لتجنب الابتزازات الجيوسياسية.
______________
المصادر
[1] هي ” خطة العمل الشامل المشتركة” (JCPOA) التي تلتزم الايران بموجبها بتخصيب اليورانيوم بنسبة لا تتجاوز 3 .67% ، وتقليص أجهزة الطرد المركزي والرقابة الدولية الصارمة لضمان الطبيعة السلمية للبرنامج، ومنع انتاج مواد لأسلحة نووية، التي انسحب منه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في عام 2018 واصفا إياه “بالمعيب والخطير”
[2] القنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات جي بي يو 57 لاستهداف كل من نطنز، وفوردو، واصفهان التي كانت تعتبرها إسرائيل والولايات المتحدة مراكز للتحصيب اليورانيوم.
[3] 1974-1973 التزمت السعودية ببيع نفطها حصرا بالدولار الأمريكي مقابل حماية عسكرية أمريكية واستثمارات في سندات الخزانة، مما رسخ هيمنة الدولار عالميا.
[4] المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة ( الحق الطبيعي للدول في الدفاع عن النفس فرديا أو جماعيا في حال وقوع اعتداء مسلح، وذلك حتى يتخذ مجلس الأمن تدابير لحفظ السلم.)
[5] 20 يناير 2025 أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وقف تجميد وتمويل العديد من برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






























