في سبتمبر 2023، خرجت آخر القوات الفرنسية من النيجر وسط مشاهد لم تكن مألوفة قبل سنوات قليلة؛ حيث أعلام تُحرق، وشعارات ترفض الوجود الفرنسي، وخطابات سيادية تتجاوز مجرد الاعتراض على قاعدة عسكرية أو اتفاق أمني. بالنسبة إلى كثير من المراقبين، لم يكن ذلك الحدث مجرد انسحاب عسكري؛ بل كان إعلانًا صريحًا عن نهاية مرحلة كاملة من العلاقات الفرنسية–الإفريقية كما عُرفت منذ الاستقلال.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال المطروح في باريس يبحث عن كيف تحافظ فرنسا على نفوذها داخل إفريقيا؟ بل كيف تعيد تعريف وجودها أصلًا داخل قارة تغيّرت أولوياتها، وتعددت شركاؤها، وارتفعت فيها كلفة النفوذ التقليدي؟
وفي هذا السياق، تأتي قمة أفريقيا نحو الأمام (Africa Forward)، التي تحتضنها نيروبي يومي 11 و12 مايو 2026، والتي تُعدّ أكثر من مجرد لقاء دبلوماسي بين فرنسا وعدد من الدول الإفريقية. فالقمة، بصيغتها الجديدة، ومكان انعقادها وطبيعة ملفاتها، تبدو محاولة لإعادة هندسة العلاقات مع دول القارة عبر أدوات الاقتصاد، والتمويل، والتكنولوجيا، والابتكار، بعد عقود هيمنت فيها المقاربة الأمنية والسياسية على جانب كبير من الحضور الفرنسي داخل إفريقيا.
فمن هذه الزاوية، لا يتعلق الأمر بتغيير لغة الخطاب فحسب؛ بل بإعادة ترتيب أولويات النفوذ نفسه في عالم أصبحت فيه السيطرة على سلاسل القيمة، والتكنولوجيا، والطاقة، والتمويل، أكثر تأثيرًا من القواعد العسكرية وحدها.
وتزداد أهمية القمة لأنها تنعقد في لحظة تشهد فيها إفريقيا تحولات متسارعة في موقعها داخل الاقتصاد العالمي. فالقارة لم تعد تُختزل في ملفات النزاعات والهشاشة كما جرى تقديمها طويلًا؛ بل أصبحتْ إحدى أهم المساحات المرتبطة بالتحول الطاقي العالمي، والمعادن الاستراتيجية، والأسواق الاستهلاكية الصاعدة، والممرات البحرية، والاقتصاد الرقمي، والتوسع الديمغرافي.
ولذلك، فإنّ التنافس الدولي المتزايد عليها لا يعكس صراع نفوذ سياسي وحده؛ ولكنْ صراعًا على موقع القارة ذاته في تشكيل الاقتصاد العالمي القادم.
ومن هنا، يحمل اختيار نيروبي دلالات تتجاوز الاعتبارات البروتوكولية. فانتقال القمة إلى شرق إفريقيا، وبالشراكة مع كينيا، يكشف إدراكًا مطرداً بأنّ مراكز الثقل الاقتصادي الإفريقي لم تعد محصورة داخل المجال الفرنكوفوني التقليدي. كما يسلط الضوء على محاولة فرنسية واضحة للتموضع داخل مناطق إفريقية أكثر ارتباطًا بالاستثمار، والخدمات، واللوجستيات، والاقتصاد الرقمي، وسلاسل التجارة العابرة للقارات.
ولكن خلف خطابات “الشراكة الجديدة” تظل الأسئلة الجوهرية عالقة في الأذهان، يمكن لخيصها في التالي:
- هل ساُعدّ القمة تحولًا فعليًا في طبيعة العلاقة الفرنسية–الإفريقية، أم أنها مجرد إعادة تموضع بأدوات مختلفة؟
- وهل ستنجح باريس في بناء شراكة أكثر توازنًا مع القارة، أم أنّ الفجوة بين الخطاب والممارسة ستظل قائمة؟
- ثم إلى أيّ مدى تستطيع الدول الإفريقية استثمار هذا التنافس الدولي المتصاعد لتحويله من سباق نفوذ خارجي إلى فرصة لإعادة بناء موقعها داخل الاقتصاد العالمي بشروط أكثر عدالة واستقلالًا؟
وعليه، سينطلق هذا المقال من هذه الإشكاليات لقراءة قمة أفريقيا نحو الأمام ضمن سياقها التاريخي والجيوسياسي والجيو-اقتصادي الواسع، وليس بصفتها حدثًا دبلوماسيّاً عابرًا.
ولذلك، سيتناول المقال طبيعة القمة وأهدافها ومحاورها الرئيسية، ثم يعود إلى الخلفية التاريخية للعلاقات الفرنسية–الإفريقية وتحولات القمم التقليدية منذ سبعينيات القرن الماضي، قبل الانتقال إلى تفسير التوقيت الجيوسياسي للقمة ودلالات انعقادها في نيروبي، وتحولات المصالح الإفريقية–الفرنسية. كما سيناقش أبرز الملفات المطروحة والمخرجات المتوقعة، وصولًا إلى التحديات والانتقادات التي تواجه المبادرة، والسؤال الجوهري المتعلق بكيفية إعادة تشكيل النفوذ والشراكة داخل قارة أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من خرائط التمويل، والطاقة، والتكنولوجيا، والتوازنات الاقتصادية الدولية القادمة.

أولًا: قمة أفريقيا نحو الأمام: النشأة، الدلالات، والاتجاهات
قمة أفريقيا نحو الأمام هي قمة إفريقية–فرنسية رفيعة المستوى تُعقد في نيروبي يومي 11 و12 مايو 2026، تحت العنوان الرسمي: “شراكات إفريقيا–فرنسا من أجل الابتكار والنمو” (Africa–France Partnerships for Innovation and Growth).
وتُعَدّ هذه القمة النسخة الافتتاحية الأولى من نوعها بصيغتها الحالية وبهذا الاسم، رغم أنّ فرنسا تنظم قمماً مع إفريقيا منذ سبعينيات القرن الماضي. لذلك، لا يمكن تقديم القمة كاجتماعٍ دوريٍّ جديدٍ فحسب؛ بل كمحاولة لإطلاق نموذج مختلف للعلاقات الإفريقية–الفرنسية بعد مرحلة طويلة ارتبطت بما عُرف تاريخيًا بـ “أفريقيا الفرنسية أو فرانس أفريك” (Françafrique).
القمة مشتركة بين كينيا وفرنسا، ويترأسها الرئيس الكيني وليام روتو (William Ruto) والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (Emmanuel Macron)، بمشاركة رؤساء دول وحكومات أفارقة، وممثلين عن الاتحاد الإفريقي، ومؤسسات مالية، وشركات، ومستثمرين، ورواد أعمال، وشباب، وفاعلين من الصناعات الثقافية والرياضية والمجتمع المدني.
ووفق المنصة الرسمية، تجمع القمة بين مسارين رئيسيين، هما: منتدى اقتصادي واستثماري في اليوم الأول، ثم قمة سياسية على مستوى رؤساء الدول والحكومات في اليوم الثاني.
ولا تكمن أهمية هذه النسخة كونها الأولى فقط؛ بل أيضًا بطبيعة الجغرافيا السياسية التي اختيرت لها. فهي أول قمة من هذا النوع تُنظم بالشراكة مع دولة إفريقية ناطقة بالإنجليزية، بعد عقود ارتبطت فيها القمم الفرنسية–الإفريقية بباريس أو بالعواصم الفرنكوفونية التقليدية.
لذلك، يُنظر إلى اختيار نيروبي كرسالة سياسية تعكس رغبة فرنسية في تجاوز الحدود التقليدية لنفوذها التاريخي، والانفتاح على شرق إفريقيا والمناطق أو الدول الأنغلوفونية الصاعدة اقتصاديًا ودبلوماسيًا. وفي هذا السياق، يصف بعض المحللين القمة بأنها المرة الأولى التي “يذهب فيها المشتري إلى البائع“، في إشارة إلى انتقال فرنسا نحو القارة بدل استدعاء القادة الأفارقة إلى باريس كما جرت العادة في العقود السابقة.
ولم تُسوّق القمة نفسها كمنصة للخطابات السياسية العامة فقط؛ بل كقمة تنفيذ تركز على المشاريع القابلة للتمويل والاستثمار. ففي اليوم الأول، ينعقد منتدى “أفريقيا نحو الأمام.. الإلهام والاتصال (Africa Forward: Inspire and Connect)، بمشاركة نحو 1500 من قادة الأعمال والمستثمرين والشركات الصغيرة والمتوسطة ورواد الأعمال الشباب، عبر لقاءات أعمال وورش عمل ومساحات للتشبيك والاستثمار.
كما تُخصص مساحة واسعة للابتكار الرقمي، والصناعات الإبداعية، والرياضة، وريادة الأعمال الشبابية، بما يعكس رغبة المنظمين في توسيع مفهوم الشراكة خارج الدوائر الحكومية التقليدية.
ويوضح عنوان أو اسم “أفريقيا نحو الأمام” نفسه محاولة لبناء سردية جديدة للعلاقة الإفريقية–الفرنسية، تقوم على فكرة أنّ إفريقيا ليست مجرد ساحة للمساعدات أو الأزمات أو التدخلات الأمنية؛ بل فاعل قادر على إنتاج الحلول والمشاركة في تشكيل الاقتصاد العالمي الجديد.
ولهذا تركز القمة على مجموعة من الملفات المرتبطة بالتحولات الكبرى التي تشهدها القارة، وفي مقدمتها الابتكار، والاستثمار، والتكنولوجيا، والتمويل الأخضر، والأمن الغذائي، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع، والاقتصاد الأزرق، والسيادة الاقتصادية، إضافة إلى إعادة طرح قضايا الأمن من خلال مقاربة إفريقية أكثر ارتباطًا بمفاهيم الاستقلال الاستراتيجي وبناء القدرات المحلية.
كما يتضمن برنامج القمة جلسات حول الانتقال الطاقي والتصنيع الأخضر، وإصلاح النظام المالي الدولي، والصحة، والزراعة، والاقتصاد الرقمي، والسلام والأمن، في محاولة لربط إفريقيا بالتحولات العالمية الجارية في التمويل والتكنولوجيا والطاقة.
ومن هذه الزاوية، تبدو القمة امتدادًا لتراكم دبلوماسي بدأ خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد:
- قمة تمويل الاقتصادات الإفريقية في باريس (2021)
- قمة المناخ الإفريقية في نيروبي (2023)
- قمة ميثاق التمويل العالمي الجديد في باريس (2023)
لكنها في الوقت نفسه تعدّ اختبارًا حقيقيًا لقدرة فرنسا على إعادة تقديم نفسها داخل القارة كشريك اقتصادي وتقني واستثماري، بعيدًا عن الصورة التقليدية المرتبطة بالنفوذ السياسي والعسكري.
ولذلك، فإنّ السؤال المركزي الذي يرافق القمة منذ الإعلان عنها لا يتعلق بطبيعة المشاريع أو البيانات التي ستصدر عنها بقدر ما يتعلق بمدى قدرتها على إقناع النخب الإفريقية بأن العلاقة الفرنسية–الإفريقية دخلت فعلًا مرحلة مختلفة، لا مجرد إعادة صياغة لغوية لعلاقة قديمة بأدوات جديدة.
ثانيًا: الخلفية التاريخية
ولفهم قمة أفريقيا نحو الأمام، لا بد من وضعها ضمن المسار التاريخي الطويل للعلاقات الفرنسية–الإفريقية، وهي علاقات لم تُبنَ على التعاون الدبلوماسي فحسب؛ بل على منظومة نفوذ سياسية واقتصادية وأمنية عُرفت تاريخيًا باسم “أفريقيا الفرنسية” أو فرانس-أفريك (Françafrique). وقد ظهر هذا النموذج بعد استقلال المستعمرات الفرنسية السابقة في إفريقيا خلال ستينيات القرن الماضي، عندما حافظت باريس على حضورها داخل القارة عبر القواعد العسكرية، والاتفاقيات الدفاعية، والنخب السياسية، والشركات، والعملات، وشبكات المصالح المتبادلة.
وفي هذا السياق، بدأت القمم الفرنسية–الإفريقية رسميّاً عام 1973 في عهد الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو (Georges Pompidou)، من خلال أول قمة انعقدت في باريس بحضور محدود لرؤساء دول من المستعمرات الفرنسية السابقة.
وكانت هذه القمم في بدايتها تعكس منطق “النادي السياسي المغلق” الذي تدير فيه فرنسا ملفات الأمن، والاقتصاد، والعملة، والسياسة الخارجية مع حلفائها التقليديين في إفريقيا الفرنكوفونية. لذلك، ارتبطت القمم الأولى بمنطق التنسيق السياسي والأمني أكثر من ارتباطها بالشراكة الاقتصادية الواسعة.
ومع نهاية الحرب الباردة، دخلت هذه القمم مرحلة جديدة. ففي قمة لابول (La Baule) عام 1990، أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران (François Mitterrand) ربط المساعدات الفرنسية بالتحول الديمقراطي والتعددية السياسية، في خطوة كان لها تأثير كبير على التحولات السياسية في عدد من الدول الإفريقية خلال التسعينيات.
ومنذ ذلك الوقت، بدأتْ فرنسا تدريجيّاً توسيع دائرة المشاركين في القمم لتشمل دولًا غير فرنكوفونية مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا، في محاولة لتخفيف صورة “الفضاء الاستعماري القديم وإعطاء القمم طابعاً إفريقيًا واسعا.
لكن التحول الأكبر بدأ مع تصاعد المنافسة الدولية داخل إفريقيا خلال العقدين الأخيرين، خاصة مع توسع الصين اقتصاديًا، وعودة روسيا أمنيًا، وصعود تركيا ودول الخليج والولايات المتحدة كلاعبين مؤثرين في القارة. فأمام هذا الواقع، لم يعد الخطاب التقليدي القائم على المساعدة والعلاقات الخاصة كافيًا. ولهذا، بدأت فرنسا منذ العقد الماضي إعادة صياغة قممها الإفريقية باتجاه مفهوم الشراكة والمنفعة المتبادلة.
وفي هذا الإطار، انعقدت قمة الإليزيه للأمن والسلام (2013) في باريس، وركّزت بصورة كبيرة على التهديدات الأمنية في الساحل، وشكلت غطاءً سياسيًا للتدخلات العسكرية الفرنسية، خاصة عملية سيرفال (Serval) في مالي. إلا أنّ هيمنة الملف الأمني على العلاقة الفرنسية–الإفريقية بدأت لاحقًا تُنتج نتائج عكسية؛ إذْ تصاعدت الانتقادات الشعبية والنخبوية للوجود العسكري الفرنسي، خاصة في دول الساحل.
ومع وصول الرئيس إيمانويل ماكرون (Emmanuel Macron) إلى السلطة، حاولت باريس تقديم خطاب مختلف، خاصة بعد خطاب واغادوغو (Ouagadougou) عام 2017، الذي وصفته الرئاسة الفرنسية بأنه بداية عصر جديد في العلاقات مع إفريقيا. وقد ركّز الخطاب على الشباب، والثقافة، والتعليم، وريادة الأعمال، والابتكار، بدل اللغة التقليدية المرتبطة بالنفوذ العسكري والسياسي. وعلى الرغم من هذا التحول الخطابي، ظلت الفجوة قائمة بين الخطاب والممارسة، خصوصًا مع استمرار العمليات العسكرية الفرنسية في الساحل.
ثم جاءت مرحلة أكثر حساسية مع الانقلابات في مالي، وبوركينا فاسو، والنيجر، وما تبعها من انسحاب تدريجي للقوات الفرنسية من هذه الدول. ففي النيجر، أعلنت باريس سحب قواتها بعد انقلاب يوليو 2023، وغادر آخر الجنود الفرنسيين البلاد في ديسمبر من العام نفسه، في خطوة اعتُبرت إحدى أكبر الضربات للنفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا.
كما خفّضت فرنسا وجودها العسكري في كوت ديفوار (ساحل العاج)، وانتهى الوجود العسكري الفرنسي الدائم في السنغال خلال 2025، وسط تصاعد خطاب السيادة الاستراتيجية داخل عدد من الدول الإفريقية.
وبالتوازي مع هذا التراجع الأمني، بدأت فرنسا نقل مركز ثقل العلاقة نحو الاقتصاد والتمويل والمناخ والتكنولوجيا. ففي قمة تمويل الاقتصادات الإفريقية بباريس (2021)، ركّزت النقاشات على دعم الاقتصادات الإفريقية بعد جائحة كورونا، وإعادة تخصيص حقوق السحب الخاصة لصالح القارة. ثم جاءت قمة “ميثاق التمويل العالمي الجديد” (2023) لتوسيع النقاش نحو إصلاح النظام المالي الدولي، وتمويل المناخ، والديون، مع حضور لافت للرئيس الكيني وليام روتو، الذي سيصبح لاحقاً المضيف الرئيس لقمة أفريقيا نحو الأمام في نيروبي.
وفي السياق نفسه، شكّلت قمة مونبلييه (Montpellier) عام 2021 محطة مختلفة؛ إذْ قرر ماكرون عدم دعوة رؤساء الدول الإفريقية، والتركيز بدلًا من ذلك على المجتمع المدني، والشباب، والمثقفين، ورواد الأعمال، في محاولة لإعادة بناء صورة فرنسا شعبيًا داخل القارة.
وعلى الرغم أنّ هذه الخطوة حملت بعدًا رمزيًا مهمًا، فإنها كشفت أيضًا إدراك باريس أنّ أزمة العلاقة مع إفريقيا لم تعد أزمة أنظمة سياسية فحسب؛ بل أزمة ثقة داخل المجتمعات الإفريقية نفسها.
ومن هنا، تبدو قمة أفريقيا نحو الأمام تتويجاً لمسار طويل من التحولات في شكل القمم الفرنسية–الإفريقية ومضمونها. فهي تختلف عن القمم التقليدية في عدة مستويات، كونها:
- تُعقد في نيروبي، قلب إفريقيا الأنغلوفونية، وليس في باريس أو عاصمة إفريقية فرنكوفونية.
- تركز على الابتكار، والتكنولوجيا، والاستثمار، والقطاع الخاص، بدل التركيز الحصري على الأمن والسياسة الرسمية.
- تقدَّم كشراكة أفقية تقوم على المصالح الاقتصادية والتقنية، وليس علاقة مركزية تديرها باريس من الأعلى.
- تمنح مساحة أكبر للشباب، ورواد الأعمال، والمجتمع المدني، والفاعلين الاقتصاديين، بدل الاقتصار على الدبلوماسية التقليدية بين الرؤساء.
وعلى هذا الأساس، يمكن قراءة القمة الحالية كمحاولة فرنسية أكثر وضوحًا حتى الآن للهروب من إرث الاستعمار القديم وإعادة بناء حضورها داخل إفريقيا عبر الاقتصاد، والتكنولوجيا، والتمويل، والابتكار. إلا أنّ هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية منطق النفوذ، بقدر ما يعكس تغير أدواته وأساليبه في عالم أصبحت فيه إفريقيا أكثر قدرة على التفاوض، وأكثر انفتاحًا على تعدد الشركاء الدوليين.
ثالثًا: التوقيت الجيوسياسي للقمة
تنعقد قمة أفريقيا نحو الأمام في لحظة جيوسياسية حساسة. ففرنسا تواجه تراجعًا واضحًا في غرب إفريقيا والساحل، بينما تتوسع داخل القارة قوى دولية متعددة، مثل: الصين في البنية التحتية والتجارة والتمويل؛ روسيا في الأمن والتسليح والدعم السياسي لبعض الأنظمة؛ وتركيا في الدفاع والبناء والتجارة؛ والإمارات في الموانئ، والطاقة، والزراعة، واللوجستيات؛ والولايات المتحدة في التكنولوجيا، والمعادن الحيوية، والطاقة، والاستثمار. في هذا السياق، لم تعد فرنسا تتحرك داخل فضاء إفريقي مغلق؛ بل داخل سوق تنافس دولي مفتوح.
إنّ اختيار كينيا يحمل دلالات مباشرة، فهي دولة ناطقة بالإنجليزية، وليست ضمن الدائرة التقليدية لفرنسا في إفريقيا الفرنكوفونية. كما أنها مركز إقليمي مهم في شرق إفريقيا، يجمع بين ثقل دبلوماسي، وموقع لوجستي، ونظام مالي متطور نسبيًا، وحضور قوي في التكنولوجيا وريادة الأعمال.
ووفق رويترز، تسعى فرنسا من خلال القمة إلى تعزيز علاقاتها مع دول خارج غرب إفريقيا الفرنكوفونية، في سياق تراجع نفوذها في مستعمراتها السابقة، وتريد التركيز على التجارة والتنمية والثقافة بدل الصورة الأمنية السابقة.
فبالنسبة إلى فرنسا، تُعدّ القمة محاولة لإعادة التموضع داخل القارة عبر مداخل أقل حساسية من الأمن. فالاستثمار، والابتكار، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والتعليم، والتدريب المهني، والصحة، والتمويل الأخضر، كلها أدوات تسمح لباريس بتقديم نفسها كشريك للمرحلة القادمة.
وقد أشارت الرئاسة الفرنسية إلى أنّ القمة ستبني على قمم سابقة، منها قمة تمويل الاقتصادات الإفريقية في باريس 2021، وقمة الميثاق المالي العالمي الجديد في باريس 2023، وقمة المناخ الإفريقية في نيروبي 2023، وقمة الاتحاد الأوروبي–الاتحاد الإفريقي في لواندا 2025. هذا الربط يوضحّ دون لَبسٍ أنّ باريس لا تنظر إلى الحدث كقمة معزولة؛ بل كجزء من خط دبلوماسي واسع حول التمويل، والمناخ، والتنمية، والحوكمة العالمية.
أمّا كينيا، فتريد من القمة تثبيت موقعها كبوابة إفريقية للمال والاستثمار والدبلوماسية الاقتصادية. فاستضافة حدث إفريقي–فرنسي بهذا الحجم يمنح نيروبي فرصة لتقديم نفسها مركزًا للحوارات الكبرى حول التمويل العالمي، والاقتصاد الأخضر، والتكنولوجيا، والقطاع الخاص.
وقد قال مسؤولون كينيون إنّ القمة يجب أنْ تنتج مخرجات عملية تمس حياة المواطنين، مثل فرص العمل، والصناعات، وتمكين الشركات الإفريقية، وتحسين سبل العيش. كما شدد رئيس الوزراء ووزير الخارجية الكيني موساليا مودافادي (Musalia Mudavadi) على أن التحول المستدام واسع النطاق ستقوده الاستثمارات، والمشروعات، والابتكار، والتكنولوجيا، وريادة الأعمال، مع دور للحكومات في تهيئة البيئة السياسية والتنظيمية.
ولا ينفصل هذا التوجه عن المسار الذي تبنته كينيا خلال السنوات الأخيرة في محاولة ترسيخ موقعها كمركز إفريقي للمناخ والتمويل الأخضر والتكيف المناخي. ففي يوليو 2025، شارك الرئيس السنغالي السابق ماكي سال، إلى جانب الرئيس الكيني وليام روتو، والأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بان كي مون، في وضع حجر الأساس للمقر الإفريقي للمركز العالمي للتكيف (Global Center on Adaptation) في نيروبي.[1] وقد اعتُبرت هذه الخطوة حينها جزءًا من مسار واسع يهدف إلى تعزيز الحلول المناخية الإفريقية المحلية، وربط قضايا المناخ بالاستثمار والبنية التحتية والتمويل والتنمية المستدامة داخل القارة.
فمن هذه الزاوية، لا تبدو استضافة كينيا لقمة أفريقيا نحو الأمام حدثًا منفصلًا عن تحركاتها السابقة؛ بل امتدادًا لمحاولة إعادة تموضع نيروبي كمركز إفريقي صاعد في قضايا المناخ، والتمويل الدولي، والدبلوماسية الاقتصادية، والتحول الأخضر. كما يكشف هذا المسار عن تحول متزايد في طبيعة التنافس الدولي داخل إفريقيا؛ حيث لم تعد أدوات النفوذ ترتبط فقط بالأمن والسياسة، بل أصبحت تشمل أيضًا التمويل المناخي، والطاقة النظيفة، والتكيف البيئي، وسلاسل الاقتصاد الأخضر.
أما على المستوى القاريّ، فتكمن أهمية القمة في كونها تُعد انتقالًا واسعا في طريقة تعامل الدول الإفريقية مع الشراكات الدولية. فالدول الإفريقية لم تَعُد مضطرة إلى التعامل مع شريك واحد، كما لم تَعُد تقبل بسهولة صيغ الشراكة التي تُعرّف من الخارج.
فتعدد الشركاء يمنح الحكومات الإفريقية هامشاً مريحا للتفاوض؛ لكنه يفرض عليها أيضًا تحديات أخرى،تعتمد على نوعية الإجابة على سؤال: كيف يمككن تحويل هذا التعدد إلى مكاسب تنموية حقيقية بدلا منْ أنْ تصبح ساحة لتنافس الآخرين؟
ومن هذه الزاوية، فإن القمة تمثل اختبارًا مزدوجًا للمشاركين؛ اختبارًا لفرنسا في قدرتها على تغيير أدواتها وخطابها، واختبارًا لدول القارة في قدرتها على تحويل الاهتمام الدولي إلى شروط تفاوضية أفضل.
رابعاً: المشاركون، الملفات المطروحة، وتوقعات القمة
من المتوقع أن تجمع قمة أفريقيا نحو الأمام مستوى سياسيًا واقتصاديًا واسعًا. فالمنصة الرسمية تتحدث عن حضور أكثر من 30 رئيس دولة، إلى جانب الرئيس الفرنسي، ومشاركة 1500 شخص في منتدى الأعمال، و30 رئيساً تنفيذيًا أو أكثر في جلسات اليوم الثاني. كما أفادت وكالة شينخوا نقلًا عن مسؤولين كينيين بأنّ القمة قد تستقطب أكثر من 30 رئيس دولة وحكومة وأكثر من 4000 مندوب عالمي، إلى جانب نحو 1500 من الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين ورواد الأعمال والمبتكرين في منتدى الأعمال.
ويتوزع البرنامج على مدار يومين، اليوم الأول مخصص بدرجة كبيرة لمنتدى الأعمال والشباب والصناعات الثقافية والرياضية، مع جلسات حول الصناعات الإبداعية، والرياضة كمدخل للاستثمار المستدام، ومبادرة “صناع المستقبل” التي تجمع 450 موهبة شابة من إفريقيا وفرنسا.
أمّا اليوم الثاني فينقل النقاش إلى مستوى رؤساء الدول والحكومات في مركز كينياتا الدولي للمؤتمرات؛ حيث تشمل الجلسات الانتقال في مجال الطاقة والتصنيع الأخضر، وإصلاح الهيكل المالي الدولي، والسلام والأمن، ثم موائد مستديرة حول الصحة، والذكاء الاصطناعي، والزراعة، والاقتصاد الأزرق.
فالقمة لا تطرح ملفًا واحدًا؛ ولكنْ تناقش حزما مترابطة من الملفات، ففي التمويل، تحضر قضية إصلاح النظام المالي الدولي، خاصة ما يتعلق بتعبئة رأس المال الخاص والمحلي والدولي من أجل التنمية الإفريقية. وفي قطاع الطاقة، تبرز مسألة الانتقال الطاقي والتصنيع الأخضر، بما يعني الانتقال من تمويل مشروعات الطاقة فقط إلى ربطها بسلاسل قيمة صناعية داخل القارة.
وفي مجال الزراعة، يظهر الأمن الغذائي كملف سياديٍّ وليس تنمويٍّ فحسب. وفي قطاع الصحة، يبرز مفهوم السيادة الصحية، أيْ قدرة الدول الإفريقية على بناء أنظمة صحية أكثر استقلالًا، بما في ذلك التصنيع الدوائي واللقاحات. أمّا الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي فيدخلان ضمن سؤال واسع النطاق، ألا وهو: هل ستكون دول القارة مجرد سوق للتكنولوجيا أم شريكًا في إنتاجها وتنظيمها؟
ومن المتوقع أنْ تُصدر القمة “إعلان نيروبي”، وفق البرنامج الرسمي؛ لكنْ قيمة الإعلان ستتوقف على ما إذا كان سيحمل آليات متابعة واضحة أو سيبقى وثيقة سياسية عامة. فالقمم الدولية كثيرًا ما تنتج بيانات قوية لغويًا وضعيفة تنفيذيًا. لذلك، سيكون الاختبار العملي في ثلاثة مستويات، متمثلة في الأسئلة التالية:
- أولًا، هل ستُعلن مشروعات استثمارية قابلة للتنفيذ؟
- ثانيًا، هل ستُقدَّم آليات تمويل واضحة، خاصة للشركات الإفريقية الصغيرة والمتوسطة؟
- ثالثًا، هل ستنعكس مخرجات القمة على أجندة مجموعة السبع المقبلة، التي ستستضيفها فرنسا في إيفيان من 15 إلى 17 يونيو 2026؟ لأنه قد أعلنت الرئاسة الفرنسية أنّ بعض خلاصات القمة ستغذي التحضير لقمة مجموعة السبع.
فالأهمية هنا أنّ القمة ليست موجهة للعلاقات الثنائية بين فرنسا ودول إفريقيا فقط؛ بل تحاول أنْ تجعل إفريقيا حاضرة في النقاشات العالمية حول التمويل والمناخ والحوكمة الاقتصادية. ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذا الهدف بحذر تحليلي؛ فإيصال الصوت الإفريقي إلى مجموعة السبع لا يعني بالضرورة تغيير قواعد التمويل العالمي. لأنّ الفارق سيكون في قدرة الدول الإفريقية على تحويل المنصة إلى مطالب جماعية محددة، وليس مجرد حضور رمزي في أجندة دولية يضعها الآخرون.
خامسًا: أبرز التحديات والانتقادات
على الرغم من جمال اللغة الجديدة التي تقدَّم بها قمة أفريقيا نحو الأمام نفسها، فإنها تواجه تحديًا أساسيًا يتمثل في السؤال التالي: هل تغيرت السياسة الفرنسية تجاه إفريقيا فعلًا، أم تغيرت طريقة تسويقها فقط؟ لأنّ هذا السؤال لم ينشأ من فراغ؛ فالعلاقات الفرنسية–الإفريقية محملة بإرث طويل من التدخل، والوصاية، والارتباط بالنخب السياسية، والحضور العسكري، والسياسات الاقتصادية غير المتكافئة. لذلك، فإنّ أيّ خطاب جديد حول “الشراكة المتوازنة” سيظل معرضاً للاختبار أمام ذاكرة سياسية عميقة.
لأنّ أزمة الثقة هي التحدي الأول، ففي الساحل، لم يعد جزء كبير من الرأي العام والنخب السياسية يرى فرنسا كشريكٍ محايدٍ يمكن التعامل معه. فالانسحابات العسكرية من مالي وبوركينا فاسو والنيجر لم تكن مجرد ترتيبات أمنية فحسب؛ بل عكست تحولًا في المزاج السياسي تجاه باريس.
ومع انتقال العدْوَى السيادية إلى دول أكثر اعتدالًا، مثل السنغال، أصبح واضحاً أنّ نموذج القواعد العسكرية الدائمة لم يعد صالحا كما كان. ومن ثَمّ، فإنّ فرنسا لا تواجه مشكلة علاقات عامة فحسب؛ بل مشكلة بنيوية في أدوات النفوذ نفسها.
التحدي الثاني يتعلق بالفجوة بين الشراكة المعلنة وموازين القوة الحقيقية. فإذا كانت القمة تتحدث عن الندية، فإنّ الندية لا تتحقق بمجرد تغيير لغة الخطاب. فهي تتطلب نقلًا حقيقيًا للتكنولوجيا، وتمويلًا عادلًا، واحترامًا لأولويات الدول الإفريقية، وتخفيفًا لشروط التمويل، ودعمًا للتصنيع المحلي، وعدم تحويل القارة إلى سوق للمنتجات والخدمات القادمة من الخارج فقط. وفي هذا السياق، سيكون من المهم مراقبة ما إذا كانت الشركات الإفريقية الصغيرة والمتوسطة ستستفيد فعلًا من منتدى الأعمال، أم أن الفرص الكبرى ستبقى محصورة بين الشركات الكبرى والمؤسسات المالية الدولية.
وفي سياق متصل، سيرتبط التحدي الثالث بالتنافس الدولي. ففرنسا لا تتحرك في فراغ؛ لأنّ الصين تملك حضورًا طاغياً في البنية التحتية والتجارة، وروسيا توسع نفوذها الأمني والسياسي في مناطق محددة، وتركيا أصبحت لاعبًا مهمًا في الدفاع والمقاولات، وبعض دول الخليج تدخل بقوة في الموانئ، والطاقة، والأمن الغذائي، والاستثمار السيادي. وهذا يعني أنّ باريس لم تَعُد تملك أفضلية تلقائية أبداً، فما كان سابقًا نفوذًا تاريخيًا أصبح اليوم عرَضًا ضمن عروض متعددة، تقارنه الدول الإفريقية بالبدائل المتاحة.
أمّ التحدي الرابع فهو خطر تحويل القمة إلى حدث رمزي أكثر من كونها منصة تنفيذية. فكثافة المشاركات، وقوة الخطابات، وصدور إعلان سياسي، كلها عناصر مهمة لكنها لا تكفي. إنّ النخب الإفريقية وصناع القرار قد يقيسون القمة بما بعدها، هل ستُنفذ مشروعات؟ هل ستتدفق استثمارات؟ هل ستتوسع فرص التمويل؟ هل ستُبنى شراكات بحثية وتكنولوجية؟ هل ستعزز إفريقيا قدرتها على التفاوض في قضايا المناخ والتمويل؟ أم ستظل القمة مناسبة دبلوماسية لإعادة تلميع الحضور الفرنسي؟
أمّا نظرة النخب الإفريقية إلى المبادرة فستكون على الأرجح مزدوجة. فهناك من سيرى فيها فرصة للاستفادة من تعدد الشركاء، ومن موقع كينيا الصاعد، ومن الحاجة الفرنسية إلى علاقة جديدة أكثر مرونة. وهناك من سيقرأها بصفتها محاولة لإعادة التموضع بعد خسائر الساحل، أيْ انتقالًا من النفوذ العسكري المباشر إلى النفوذ الاقتصادي والتقني.
فبين هاتين القراءتين، ستتحدد قيمة القمة، هل ستكون خطوة نحو علاقة أكثر توازنًا، أم ستبقى مجرد مرحلة جديدة من التكيّف الفرنسي مع واقع إفريقي لم يعد يسمح بالأدوات القديمة؟
الخاتمة
إنّ قمة أفريقيا نحو الأمام تدلّ على أنّ العلاقات الإفريقية–الفرنسية دخلت مرحلة مختلفة عمّا عرفته القارة خلال العقود الماضية؛ إذْ لم يعد النفوذ يُقاس بعدد القواعد العسكرية أو حجم الحضور السياسي فحسب؛ بل بقدرة الفاعلين الدوليين على التموضع داخل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والمالية التي تعيد تشكيل إفريقيا اليوم.
ومن هذا المنظور، تبدو القمة أكثر من مجرد حدث دبلوماسي وتجمع سياسي-اقتثادي عابر؛ فهي تُمثل انتقال المنافسة الدولية داخل القارة من المجال الأمني التقليدي إلى مجالات الاستثمار، والطاقة، والبنية التحتية، والاقتصاد الرقمي، والتمويل الأخضر، وسلاسل القيمة الصناعية.
وفي هذا السياق، يحمل اختيار نيروبي دلالات تتجاوز الاعتبارات البروتوكولية؛ إذْ يعكس إدراكًا واضحا بأن مركز الثقل الاقتصادي الإفريقي يتحرك تدريجيًا نحو الشرق والجنوب؛ حيث تتقاطع الممرات التجارية، والطاقة، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي، والأسواق الاستهلاكية الصاعدة.
كما يشير انتقال القمة إلى الفضاء الأنغلوفوني عن محاولة فرنسية واضحة لتجاوز الحدود التقليدية لنفوذها التاريخي، في وقت لم تعد فيه إفريقيا الفرنكوفونية وحدها قادرة على ضمان الحضور الاقتصادي والاستراتيجي لباريس داخل القارة.
إلا أنّ التحول الأهم لا يتعلق بفرنسا وحدها؛ بل بإفريقيا نفسها. فالقارة التي كانت تُقدَّم لعقود من الزمن كساحة تنافس بين القوى الكبرى، بدأت تتحرك تدريجيًا نحو موقع تفاوضي أكثر استقلالًا، مستفيدة من تعدد الشركاء الدوليين، ومن احتدام المنافسة على المعادن الاستراتيجية، والطاقة، والممرات البحرية، والأسواق المستقبلية.
ولذلك، فإنّ صعود مفاهيم مثل “السيادة الاقتصادية”، و”الاستقلال الاستراتيجي”، و”إصلاح النظام المالي العالمي” لم يعد مجرد خطاب سياسي؛ بل أصبح جزءًا من رؤية إفريقية واسعة لإعادة تعريف موقع القارة داخل الاقتصاد العالمي المتغير.
فمن زاوية جيو-اقتصادية، تُسلط القمة أيضًا الضوءَ عن تحوّل عميق في طبيعة العلاقة بين الجغرافيا والنفوذ. فالصراع على إفريقيا كقارة لم يعد يدور حول النفوذ العسكري والسياسي المباشر فقط؛ بل حول من يملك القدرة على التمويل، والتكنولوجيا، والربط اللوجستي، والوصول إلى الموارد الحيوية، وتوجيه سلاسل القيمة العالمية الجديدة، خصوصًا في مجالات الطاقة النظيفة، والذكاء الاصطناعي، والمعادن النادرة.
وفي هذا الإطار، تبدو دول القارة اليوم أقرب إلى منطقة اقتصادية استراتيجية يعاد دمجها داخل خرائط التجارة العالمية والتحولات الصناعية الكبرى، وليس مجرد هامش تابع للنظام الدولي.
ومع ذلك، ستظل قيمة قمة أفريقيا نحو الأمام مرتبطة بما إذا كانت ستنتقل من مستوى الرمزية السياسية إلى مستوى الشراكات القابلة للتنفيذ. فإعادة التموضع لا يتحقق عبر تغيير اللغة والخطابات وحدها؛ بل عبر بناء علاقات أكثر توازنًا، وتمويلًا أكثر عدالة، ونقلًا حقيقيًا للتكنولوجيا، واحترامًا لأولويات الدول الإفريقية.
كما أنّ نجاح أيّ مقاربة جديدة سيظل مرهونًا بقدرة دول القارة نفسها على إدارة تعدد الشركاء الدوليين من موقع المصلحة الاستراتيجية، وليس من موقع التبعية أو الحاجة الآنية.
وفي المحصلة، لا تبدو قمة نيروبي مجرد محاولة فرنسية لاستعادة النفوذ داخل القارة، بقدر ما تعكس مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الدولية حول إفريقيا. فالقارة لم تعد موضوعًا للسياسات العالمية فقط؛ بل أصبحت تدريجيًا جزءًا من عملية إعادة تعريفها؛ وهو تحول ستكون له آثار بعيدة المدى على الجغرافيا السياسية والاقتصادية للنظام الدولي خلال السنوات القادمة.
_____________
المصادر
[1] https://www.dakaractu.com/Nairobi-Macky-Sall-participe-a-la-pose-de-la-premiere-pierre-du-siege-africain-du-Centre-mondial-pour-l-adaptation_a263205.amp.html
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.































