يُعدّ الحوار الوطني في الكونغو الديمقراطية من أكثر الأدوات السياسية تكرارًا في إدارة الأزمات المركّبة التي عرفتها الدولة منذ نهاية القرن العشرين، وبدوره، شكل الحوار الوطني آلية تقنية لتبادل الآراء وتنفيس الاحتقان السياسي، ومثل مرآة لطبيعة التوازنات الداخلية وحدود الدولة ودرجة الثقة بين الفاعلين وعكس -في كل محطة- موقع المؤسسات الدينية والمدنية في هندسة التسويات وإعادة إنتاج الشرعية.
ويمثل الحوار الوطني الكونغولي وتحديداً في سابقتيه في 2002 و2016 خيطًا ناظمًا لمسارات التحول السياسي والأمني والاقتصادي لدولة الكونغو الديمقراطية؛ إذ ساهم اتفاق صن سيتي في إنهاء حرب شاملة وفتح مرحلة انتقالية متعددة الأطراف، فيما أسهم اتفاق” سانت سيلفستر” في تجنب مأزق الولاية الثالثة لكابيلا وتهيئة الطريق لأول انتقال رئاسي انتخابي في 2018.
وفي الربع الأول من الولاية الثانية للرئيس فيليكس تشيسيكيدي، شهدت الكونغو الديمقراطية حراكًا متجددًا لإطلاق حوار وطني شامل، تتصدر الدعوة إليه قوى المعارضة، وتتبناه الكنائس في إطار “الميثاق الاجتماعي للسلام والتعايش”، بينما تبدي المؤسسات الرسمية انفتاحًا مشروطًا عليه، وهو حراك يتزامن مع تشابك الصراع السياسي الداخلي مع الأزمة الأمنية المزمنة في الشرق، واحتدام الجدل حول تعديل الدستور وإعادة هندسة السلطة، وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية المطالِبة بتسوية سياسية أوسع.
وقد بلغ هذا الحراك ذروته في اجتماع لواندا في 9 فبراير 2026، الذي جمع الرئيس الأنغولي جواو لورينسو، والرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي، والرئيس التوغولي فور غناسينغبي، والرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو ممثلًا لرؤساء الدول الخمسة السابقين الميسّرين لعملية السلام، وأسفر عن تكليف أنغولا بإطلاق مشاورات تمهيدية مع جميع الأطراف الكونغولية المعنية تمهيدًا لحوار وطني بين الكونغوليين. وحتى مايو 2026، لا تزال ماهية الحوار الوطني وآليته وجدول أعماله وأطرافه في حالة غير واضحة وغير محددة، ولا تزال رهانات الحوار الوطني في حالة عدم اليقين.[1]
وبصدد ذلك، يسعى هذا المقال إلى الإجابة عن تساؤل رئيس وهو ” ما هي رهانات الحوار الوطني المرتقب في الكونغو الديمقراطية؟، وذلك من خلال تتبع تطورات الحوار الوطني الكونغولي ورصد خارطة الفاعليين الرئيسين للحوار المرتقب وتحدياته وسيناريوهاته.
أولاً: الحوار الوطني في الكونغو الديمقراطية
وحدود تطوره
بوصفه آلية سياسية–مؤسسية تُستخدم في لحظات الأزمات الحادة لإعادة التفاوض على قواعد اللعبة بين الفاعلين الأساسيين، غالبًا خارج الإطار الدستوري العادي، بقصد إنتاج ترتيبات انتقالية أو تصحيحية جديدة تعالج أزمات الشرعية أو النزاعات المسلحة. وفي السياق الأفريقي، ارتبطت الحوارات الوطنية في كثير من الحالات بأزمات الشرعية الدستورية ومحاولات تمديد الحكم عبر تعديل حدود الولاية الرئاسية أو الالتفاف عليها، وهو ما تصفه بعض الأدبيات بمفهوم «الانقلاب الدستوري» الذي يضعف الحوكمة ويطيل أمد الحكم الفردي ويُقوّض ثقة المواطنين في الدستور.
في الحالة الكونغولية، يتخذ الحوار الوطني موقعًا مزدوجًا: فمن جهة، يمثّل أداة محتملة لتسوية النزاعات المسلحة وتعزيز الانتقال الديمقراطي وتمكين ترتيبات السلام في الشرق؛ ومن جهة أخرى، يمكن أن يتحول إلى فضاء تُوظَّف فيه موازين القوى لصالح إعادة هندسة السلطة أو تحييد المعارضة، خصوصًا في ظل الجدل المستمر حول إعداد دستور جديد «يتماشى مع الواقع الكونغولي» وحدود الولاية الرئاسية وآليات تنظيم انتخابات 2028.
وفي أبريل 2002، شكّل الحوار الذي أفضى إلى اتفاق “صن سيتي” نقطة تحول مفصلية في تاريخ الكونغو الديمقراطية؛ إذ جاء في ختام حوار بين-كونغولي واسع النطاق، وأنهى فعليًا الحرب الكونغولية الثانية التي اندلعت عام 1998.
وأرسى الاتفاق إطارًا لحكومة انتقالية بنظام «1+4»، حيث احتفظ جوزيف كابيلا بالرئاسة إلى جانب أربعة نواب يمثلون الفصائل المتمردة والمعارضة السياسية والمجتمع المدني، مع وضع جدول زمني لإقرار دستور وانتخابات تعددية.
وفي 2016، جاء اتفاق “سانت سيلفستر” تتويجًا لحوار جديد جمع السلطة والمعارضة والكنائس في سياق أزمة تجديد ولاية الرئيس كابيلا، وأسهم في تشكيل حكومة انتقالية، وضمان عدم ترشح كابيلا لولاية ثالثة، وتهيئة الطريق لانتخابات 2018 التي أوصلت فيليكس تشيسيكيدي إلى الرئاسة.
هذا الاتفاق كرّس الكنائس، خاصة CENCO، بوصفها وسيطًا وضامنًا حاسمًا، وأعاد تثبيت مبدأ تناوب السلطة في الخطاب السياسي الكونغولي.
وبشأن الحوار المزمع في 2026، فإنه ينظر إليه بوصفه امتدادًا لتقليد كونغولي متجذر في إدارة الأزمات عبر حوارات وطنية، لكنه يتميّز عن التجارب السابقة بتزامنه مع ثلاثة معطيات رئيسية:
- أزمة أمنية متفاقمة في شرق البلاد، مع استمرار نشاط حركة 23 مارس وجماعات مسلحة أخرى وتداخل أدوار القوى الإقليمية.
- تجدد الجدل الدستوري حول إعداد دستور جديد، وما يطرحه من تساؤلات حول نوايا تعديل قواعد الترشح وحدود الولاية الرئاسية.
- مخاوف متنامية لدى المعارضة والكنائس من استخدام الحوار مدخلًا لإعادة هندسة السلطة أو تمديد أفق الحكم تحت غطاء إصلاح دستوري أو هندسة انتخابية جديدة.
ثانياً: خارطة الفاعليين في الحوار الوطني المرتقب
تكشف التفاعلات حول الحوار الوطني المرتقب في الكونغو الديمقراطية عن مجموعة من الفاعليين الرئيسين، يمكن استعراضهم كما يلي:
1. السلطة التنفيذية وشروط الانفتاح
أبدت الرئاسة الكونغولية انفتاحًا على فكرة الحوار الوطني، لكنها قرنته بشروط واضحة تُقدَّم على أنها ضرورية للحفاظ على شرعية المؤسسات المنتخبة ومسار عمليات السلام. ففي خطابه أمام السلك الدبلوماسي في 31 يناير 2026، أعلن الرئيس فيليكس تشيسيكيدي استعداده لحوار:
“لا يُقوّض بأي حال من الأحوال المؤسسات القائمة عبر الانتخابات، ويُعقد داخل الأراضي الوطنية وتحت رعاية مؤسسات الجمهورية، ولا يمكن أن يحل محل الالتزامات الدولية أو يُستخدم للتقليل من شأن أي عمل عدواني أو لتخفيف المسؤوليات المحددة بوضوح”.[2]
وفي فبراير 2026، أوضح المتحدث باسم الحكومة باتريك مويايا أن البلاد في مرحلة «مشاورات تمهيدية»، وأن أي حوار لن يسمح بالإفلات من العقاب ولن يُستخدم لإعادة تأهيل من تعتبرهم الدولة متورطين في العنف أو العدوان الخارجي. يعكس هذا الخطاب تصورًا يعتبر أن الحوار مقبول ما دام لا يهدد توازن الحكم القائم، ولا يفتح الباب أمام مراجعة جوهرية للشرعية الانتخابية أو البنية الدستورية، وهو ما يدفع قطاعات واسعة من المعارضة لوصفه بالحوار الموجّه ومحاولة لإعادة إنتاج الوضع القائم بواجهة توافقية.[3]
2. المعارضة الكونغولية وتحفظاتها
وتتمحور اعتراضات المعارضة حول ثلاث قضايا مترابطة: شروط الحوار، وسياق انعقاده، ودور الكنائس؛حيث يرى حزب «معًا من أجل الجمهورية» بقيادة مويس كاتومبي أن الحوار ذي المصداقية لا يمكن أن ينفصل عن شراكة الكنائس (CENCO) و(ECC) ومرجعيتها في “الميثاق الاجتماعي للسلام والعيش المشترك”، ويحذر حزب “إنفول” بقيادة ديلي سيسانغا يحذّر من الحوارات النفعية التي تُستخدم لتخفيف الضغوط وتعزيز بنية السلطة القائمة دون التزام حقيقي بالإصلاح البنيوية، وتعتبر هيئة التشاور بين القوى السياسية والاجتماعية» أن استحواذ الرئيس، بوصفه طرفًا في النزاع، على صلاحية تحديد مكان الحوار وطريقة تنظيمه ونطاقه، يقوّض شموليته ويحوله إلى إجراء شكلي.
وإلى جانب ذلك، تشترط شخصيات معارضة بارزة – مثل جان مارك كابوند وسيث كيكوني – توفير شروط مسبقة للمشاركة تشمل احترام الدستور والسيادة ووحدة الأراضي، والوقف الفوري للاعتقالات التعسفية، ورفع الإجراءات القضائية ذات الدوافع السياسية، وتحقيق وقف فعّال لإطلاق النار في الشرق، معتبرين أن أي مشاركة دون هذه الضمانات تفرغ الحوار من جوهره التفاوضي.[4]
3. المؤسسات الدينية (الكنائس) كفاعل وسيط ومجال تنازع
تضطلع الكنائس، وعلى رأسها مجلس أساقفة الكونغو الوطني (CENCO) وكنيسة المسيح في الكونغو (ECC)، بدور محوري في هندسة الحوار، إذ بادرت، استجابة لدعوات توسيع “الميثاق الاجتماعي للسلام والعيش المشترك”، إلى صياغة خارطة طريق في 25 أغسطس 2025 بمراحل أربع، وهي: شهر السلام، والحوار بين الخبراء، والحوار السياسي الجامع، ثم مؤتمر دولي للسلام في منطقة البحيرات العظمى.
وفي يناير 2025، أعلنت المؤسستان الكنسيتان عام 2025 “عام السلام والتعايش السلمي” ودعتا إلى ميثاق اجتماعي يتبنى قيم بومونتو ويستهدف معالجة جذور العنف. كما اقترحت الكنائس إنشاء آلية للحقيقة والمصالحة على غرار النموذج الجنوب أفريقي، بما يربط الحوار بمسار عدالة انتقالية يعالج الذاكرة الجمعية للانتهاكات ومطالب الضحايا، بدل الاكتفاء بتسويات سياسية فوقية.[5]
غير أن دور الكنائس أصبح في حد ذاته ساحة صراع؛ فالمعارضة تتمسك بها كراعٍ وضامن للحوار وامتداد لتقاليد 2002 و2016، بينما تشدد الحكومة على تنظيم الحوار عبر المؤسسات الرسمية، في ظل إدراك الطرفين أن تهميش الكنائس يمنح السلطة قدرة أكبر على التحكم في الأجندة والنتائج، بما في ذلك تمرير تعديلات دستورية محتملة أو تأجيل الانتخابات أو إعادة تعريف شروط الترشح والولاية.[6]
4. الوسطاء الإقليميون والمراقبون الدوليون
يلعب الوسطاء الإقليميون، خصوصًا أنغولا المكلَّفة من الاتحاد الأفريقي، دورًا مهمًا في تهيئة أرضية الحوار عبر المشاورات التمهيدية مع الأطراف الكونغولية، في امتداد لمسار أوسع من الوساطات في أزمة شرق الكونغو وبين كينشاسا وكيغالي، ومع حركة 23 مارس. على المستوى الدولي، أبدت قوى رئيسية – مثل فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي – دعمًا صريحًا لحوار وطني شامل؛ إذ شجعت وزارة الخارجية الفرنسية في يناير 2026 الحوار بين الكونغوليين، فيما أكد وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو في دافوس دعم بلاده للمسار، وأصدر عدد من الحكومات الغربية والاتحاد الأوروبي بيانًا مشتركًا في 6 مارس 2026 دعا إلى تهيئة الظروف لحوار جامع يضم جميع القوى السياسية والاجتماعية بوصفه شرطًا لأي سلام دائم في الكونغو الديمقراطية.
وتعكس هذه المواقف قناعة متزايدة بأن الحل العسكري وحده غير كاف، وأن تسوية مستدامة تتطلب تفاهمًا سياسيًا داخليًا واسعًا، وإن ظل نجاح هذه الضغوط مرهونًا بوجود إرادة وطنية قادرة على ترجمة المسارات التفاوضية إلى ترتيبات ملموسة.
ثالثاً: التحديات الراهنة أمام الحوار الوطني
يواجه الحوار المرتقب مجموعة من التحديات البنيوية التي تهدد بتحويله من أداة للحل إلى ساحة إضافية للصراع حول الشرعية الدستورية ومستقبل السلطة:
- غياب التوافق على شروط وآليات الحوار، بين رؤية حكومية تقيّد الأجندة والمشاركين بشروط مسبقة، ورؤية معارضة تشترط ضمانات حقيقية لحياد الوساطة وشمولية التمثيل.[7]
- توتر البيئة السياسية والأمنية، مع استمرار القتال في الشرق وتعدد المسارات التفاوضية الموازية (واشنطن، الدوحة وغيرها) دون تحقيق اختراق ملموس، ما يغذي الشكوك حول جدوى مسار إضافي غير متوافق عليه داخليًا. وكان مارتن فايولو ماديدي من بين الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين الكونغوليين الذين يعتقدون أن هذه المبادرات وحدها غير كافية لحل الأزمة في الكونغو الديمقراطية.[8]
- تصاعد الجدل الدستوري حول نوايا تعديل الدستور وحدود الولاية الرئاسية، في ضوء تصريحات الرئيس عن الحاجة إلى دستور جديد يتماشى مع الواقع الكونغولي، وما أثارته من مخاوف المعارضة والكنائس من إعادة إنتاج «الانقلاب الدستوري» وتمديد أفق الحكم عبر أدوات قانونية شكلية. فقد عبر المرشح الرئاسي السابق ديلي ساسانغا عن رفضه قائلاً: ” أي تعديل للدستور، وسط شكوك بأن فيليكس تشيسكيدي قد يستغله لضمان ولاية ثالثة”، واتهم رئيس حزب (إنفول) الحكومة باستغلال الحرب في الشرق للالتفاف على المتطلبات الديمقراطية، وفي 30 مارس 2026، أعلن “مويس كاتومبي” – أبرز معارضي السلطة ورئيس حزب “معًا من أجل الجمهورية”- عن رفضه القاطع لهذه المبادرة، معتبرًا أن أي تعديل للدستور في هذا السياق يُعدّ “خيانة” لإرادة الشعب الكونغولي. [9]
- النهج الانتقائي في تحديد الأطراف المشاركة، الذي يستبعد حركة 23 مارس وعددًا من المعارضين البارزين مثل مويس كاتومبي وجوزيف كابيلا، ويشترط الاعتراف المسبق بشرعية المؤسسات والأحكام القضائية، بما يقوّض شمولية الحوار وقدرته على معالجة جذور الأزمة. ففي 12 أكتوبر 2025، رفض الرئيس تشيسكيدي فكرة الحوار الذي يضم ممثلين مرتبطين بـ “العدوان” الذي تعاني منه بلاده قائلاً”: نحن لا نتحاور مع مبعوثي المعتدين. عندما يجلسون إلى طاولة المفاوضات، لا يتحدثون إلا عن مصالح المعتدين.”، وفي 31 يناير 2026، قال الرئيس:” “الحوار ممكن، لكن لا يمكن إجراؤه مع المسؤولين عن الجرائم المرتكبة ضد شعبنا… إن هذا الحوار الداخلي، مهما بلغت ضرورته، لا يمكن أن يحل محل الالتزامات الدولية. ولا يمكن استخدامه للتقليل من شأن أي عمل عدواني، ولا لتخفيف المسؤوليات القائمة”. [10]
خامساً السيناريوهات المحتملة لمآلات الحوار الوطني
وبتحليل السياقات الكونغولية الراهنة، يمكن القول أن الحوار المرتقب بين الكونغوليين يشكل مفترق طرق للدولة الكونغولية، ويمكن تقدير ثلاثة سيناريوهات محتملة له كما يلي:
سيناريو الحوار الجامع والتسوية الشاملة
يقوم هذا السيناريو الأكثر تفاؤلًا على قدرة الفاعلين الكونغوليين على التوافق حول إطار حوار شامل يجمع الحكومة والمعارضة والكنائس والمجتمع المدني، مع بحث إمكانية إشراك ممثلين عن بعض الجماعات المسلحة وفق شروط واضحة.
ويهدف هذا الحوار إلى وضع خريطة طريق تعالج الخلافات حول شرعية المؤسسات القائمة، والتعديلات الدستورية، وآلية تنظيم انتخابات 2028، وأزمة الشرق. وفي حال تحقق هذا السيناريو، يمكن أن يفضي الحوار إلى وقف إطلاق نار مستدام، وترتيبات أمنية تتيح إدماجًا منضبطًا لمقاتلي حركة 23 مارس ضمن القوات النظامية، وإطلاق مسار عدالة انتقالية ومصالحة وطنية، بما يعيد إنتاج الأثر البنّاء لاتفاقي صن سيتي وسانت سيلفستر في مراحل سابقة.
غير أن هذا السيناريو يتطلب تنازلات متبادلة ومستوى من الشجاعة السياسية والمرونة لا تبدو المؤشرات الحالية على توافره قوية.
سيناريو الحوار الانتقائي والاستيعاب المشروط
يُعد هذا السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب والمتوسط، استنادًا إلى مواقع القوة الراهنة وخطاب السلطة الحاكم. يقوم هذا السيناريو على تمسك الحكومة بزمام المبادرة من أعلى، عبر الإبقاء على شروطها الانتقائية، واستبعاد الفاعلين الأكثر حدة في المعارضة، وتقييد دور الكنائس كوسيط مستقل، مقابل استيعاب أطراف من المعارضة المعتدلة من خلال منحها حصصًا في السلطة التنفيذية أو مواقع إدارية.
ويسمح هذا المسار بإعادة إنتاج النظام القائم وربما تمرير تعديلات دستورية أو ترتيبات انتخابية مفضِّلة للسلطة، مع المحافظة على صورة “الانفتاح والتشاور”، لكنه لا يعالج جذور أزمة الشرق ولا يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ما يبقي هشاشة الاستقرار قائمة ويؤجل الانفجار بدل منعه.
سيناريو الحوار المتعثر والتصادم المحتوم
يفترض هذا السيناريو استمرار الهوة بين مواقف الحكومة والمعارضة والكنائس، وفشل الأطراف في الاتفاق على شروط الحوار وأجندته وضماناته، مع إصرار السلطة على المضي في مشروع دستور جديد أو تعديلات دستورية منفردة تتجاهل مخاوف المعارضة والكنائس.
وفي هذه الحالة، قد يتحول الحوار إلى عنصر تصعيد؛ فتعود أزمة الولاية الرئاسية ونزاعات الشرعية إلى الواجهة، وتتزايد حدة الاحتجاجات، وتتفاقم الأزمة الأمنية في الشرق، بما يهدد بإعادة إنتاج دورة جديدة من العنف وربما “حرب كونغولية ثالثة” في حال تداخل النزاع الداخلي مع الحسابات الإقليمية.
ومع ذلك، يبدو هذا السيناريو أقل ترجيحًا في المدى القصير بفعل ضغوط الشركاء الدوليين والإقليميين واستمرار المسارات التفاوضية والوساطات القائمة.
الخاتمة
يُظهر تحليل مسار الحوار الوطني في الكونغو الديمقراطية أن هذا الحوار يتجاوز كونه استحقاقًا سياسيًا ظرفيًا، ليغدو اختبارًا حاسمًا لمستقبل الدولة وبنيتها الدستورية والأمنية. فهو يكشف حدود المؤسسات، وعمق أزمة الثقة بين الفاعلين، وحجم دور الكنائس بوصفها وسيطًا وضامنًا، وثقل العامل الإقليمي والدولي في صياغة التسويات، وخطورة التلاعب بالملف الدستوري في سياق هشاشة أمنية وسياسية.
وفي ضوء التحديات الراهنة وموازين القوى القائمة، يبدو سيناريو “الحوار الانتقائي والاستيعاب المشروط” الأكثر واقعية في المدى المنظور، مع احتمال بقاء الحوار إطارًا لإدارة الأزمة لا لحلها، ما لم تحدث تحولات جوهرية في مواقف الحكومة والمعارضة والكنائس نحو حوار أكثر شمولًا واستقلالية ووضوحًا في جدول أعماله وضماناته.
وستظل فرص الانتقال إلى سيناريو “الحوار الجامع والتسوية الشاملة” رهينة بمدى استعداد السلطة لتخفيف شروطها المتعلقة بدور الكنائس وإشراك الفاعلين المسلحين ومعالجة الجدل الدستوري في إطار توافقي، وبمدى استعداد المعارضة والكنائس لإبداء قدر من المرونة إزاء شرعية المؤسسات القائمة وجدوى المسارات التفاوضية الحالية.
وفي جميع الأحوال، سيبقى الحوار الوطني – إن أُحسن تصميمه وتنفيذه وربطه بمسار أوسع للعدالة الانتقالية – أحد المفاتيح الضرورية لتهدئة الانقسام وفتح الطريق نحو تسوية سياسية أكثر استدامة في الكونغو الديمقراطية.
[1] RDC : l’Angola officiellement mandaté pour conduire des consultations en vue d’un dialogue intercongolais, actualite.cd, 9 février 2026, https://gogl.to/46YK
[2] Dialogue national en RDC: le président Félix Tshisekedi pose ses conditions, RFI, : 01/02/2026, https://gogl.to/46gx
[3] RDC : Kinshasa attend de Lourenço des « pré-consultations » pour un dialogue intercongolais, sans impunité (Muyaya), actualite.cd, 11 février 2026, https://gogl.to/46h0
[4] Dialogue politique en RDC: l’opposition réserve une “fin de non-recevoir” aux conditions fixées par Félix Tshisekedi pour la tenue des assises, 4 février 2026, https://gogl.to/46h1
[5] Le Conseil interreligieux congolais présente à Delly Sesanga son projet « Vérité et Réconciliation » comme préalable au dialogue national, actualite.cd, 13 février 2026, https://bit.ly/3Qbc6sP
[6] AFRICA/DR CONGO – Bishops: “It is dangerous to revise the Constitution now because there is no consensus or security conditions”, 27 March 2026, https://bit.ly/4cdvRr3
[7] Washington : auprès de Tshisekedi, Fayulu insiste sur le rôle central du duo CENCO-ECC dans tout processus de dialogue national et plaide pour une inclusivité maximale, actualite.cd, 6 février 2026 -, https://gogl.to/46YR
[8] Martin Fayulu réitère son appel à un « dialogue inclusif » en RDC, radio okapi, 18/11/2025, https://bitl.to/5qLH
[9] La révision de la Constitution divise l’Union sacrée et l’opposition en RDC, 12/03/2026, https://gogl.to/46YS
[10] Le Conseil interreligieux congolais présente à Delly Sesanga son projet « Vérité et Réconciliation » comme préalable au dialogue national, 13 février 2026 , https://bit.ly/3Qbc6sP
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



























