لطالما ردد اللورد بالمرستون، أحد أبرز صانعي السياسة البريطانية في القرن التاسع عشر، مقولته الشهيرة التي أصبحت دستوراً غير مكتوب للعلاقات الدولية: ليس لنا حلفاء دائمون، وليس لنا أعداء دائمون، بل لنا مصالح دائمة.
واليوم، يتجلى هذا المبدأ بوضوح في المشهد السوداني المعقد، حيث تتحرك المصالح الإقليمية وفق حسابات البقاء والنفوذ أكثر من أي اعتبارات أخرى. ولعل العلاقات السودانية المصرية في ظل الحرب الحالية تمثل نموذجاً واضحاً لهذه البراغماتية السياسية، التي تفرض على الدول أحياناً مواقف متناقضة بين ما تعلنه سياسياً وما تفرضه عليها المصالح الاقتصادية والأمنية.
وعليه، تحاول هذه القراءة تسليط الضوء على تعقيدات العلاقات السودانية المصرية في ظل الحرب، وفهم التوازنات التي تحكم الموقف المصري بين السودان والإمارات، إلى جانب تأثير الاقتصاد والتحالفات الإقليمية وملف سد النهضة على طبيعة هذا الموقف، فضلاً عن انعكاسات الحرب السودانية على الأمن القومي المشترك ومستقبل العلاقات بين البلدين.
أولاً: بين ضغوط الاقتصاد وحسابات السياسة
أثارت زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى دولة الإمارات ولقاؤه بالشيخ محمد بن زايد موجة من الانتقادات داخل الأوساط السودانية المؤيدة للدولة والجيش، خاصة في ظل تصاعد الاتهامات الدولية بشأن الدور الإماراتي في دعم قوات الدعم السريع.
وبالنسبة لقطاع واسع من السودانيين، فإن المشهد بدا متناقضاً؛ فبينما تواجه الدولة السودانية حرباً تهدد وجودها، ظهر الحليف المصري في حالة تقارب سياسي ودبلوماسي مع أبوظبي، وهو ما خلق شعوراً متزايداً بأن القاهرة تفضل الحفاظ على توازناتها الإقليمية بدلاً من اتخاذ موقف أكثر وضوحاً تجاه الأزمة السودانية.
غير أن فهم الموقف المصري يتطلب النظر إلى طبيعة التحديات الاقتصادية التي تواجهها القاهرة خلال السنوات الأخيرة. فقد أصبحت الاستثمارات الخليجية، خاصة الإماراتية، تمثل أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي المصري، في ظل أزمات العملة والتضخم والديون. كما لعبت صفقات اقتصادية كبرى، مثل مشروع “رأس الحكمة”، دوراً مهماً في تخفيف الضغوط الاقتصادية الداخلية.
هذا الواقع جعل صانع القرار المصري يتحرك بحذر شديد؛ فالقاهرة تحتاج إلى السودان باعتباره عمقاً استراتيجياً يرتبط بأمن الحدود وملف مياه النيل، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع المجازفة بعلاقاتها الاقتصادية مع أبوظبي. لذلك، بدا الخطاب المصري أقرب إلى محاولة إمساك العصا من المنتصف، عبر دعم مؤسسات الدولة السودانية سياسياً، مع الحفاظ على شبكة علاقاتها وتحالفاتها الإقليمية.
كما أن القاهرة تدرك أن أي انخراط مباشر أو حاد في الحرب السودانية قد يفتح عليها ضغوطاً دولية واقتصادية إضافية، لذلك تميل إلى تبني خطاب يدعو للحل السياسي والتفاوض، وهو خطاب يراه قطاع من السودانيين أقل من مستوى التوقعات في ظل طبيعة الحرب الحالية.
ثانياً: تناقضات التحالفات الإقليمية وأزمة الأمن المشترك
لا تتوقف تعقيدات الموقف المصري عند حدود العلاقة مع الإمارات، بل تمتد إلى الملف الليبي، حيث تحتفظ القاهرة بعلاقات وثيقة مع الجنرال خليفة حفتر باعتباره أحد أهم الضامنين لأمن حدودها الغربية.
لكن هذه العلاقة تثير تساؤلات متزايدة داخل السودان، خاصة مع التقارير التي تحدثت عن استخدام الأراضي الليبية ومسارات التهريب في دعم وتحركات قوات الدعم السريع. وهنا يظهر التناقض الذي يضع السياسة المصرية تحت دائرة النقد، إذ تبدو القاهرة في موقع يحاول الجمع بين دعم الدولة السودانية والحفاظ على تحالفاتها الإقليمية في الوقت نفسه.
وتزداد الصورة تعقيداً مع استمرار أزمة سد النهضة، التي تمثل أحد أهم الملفات الاستراتيجية بالنسبة لمصر. فالسودان ظل لسنوات شريكاً مهماً للقاهرة في هذا الملف، لكن الحرب الحالية أضعفت قدرة الخرطوم على لعب هذا الدور، وخلقت حالة من السيولة السياسية والإقليمية دفعت مصر إلى تبني سياسة أكثر تحفظاً.
كما تخشى القاهرة أن يؤدي أي تصعيد مباشر مع بعض القوى الإقليمية إلى خسارة أوراق مهمة في ملفات أخرى، من بينها ملف المياه والتوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي. ولهذا تبدو السياسة المصرية قائمة على إدارة التوازنات لا حسم الصراعات.
لكن استمرار الحرب في السودان يحمل في الوقت نفسه تهديدات مباشرة للأمن القومي المصري. فإطالة أمد الصراع تعني مزيداً من الفوضى على الحدود الجنوبية، وتزايد موجات النزوح، وتهديد استقرار الإقليم بأكمله، وهو ما يجعل استقرار السودان مصلحة استراتيجية للقاهرة مهما اختلفت الحسابات السياسية المؤقتة.
ثالثاً: الواقعية السياسية ومستقبل العلاقات السودانية المصرية
تكشف الحرب السودانية بصورة واضحة أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق العواطف أو الشعارات التاريخية، بل بمنطق المصالح المتبادلة. ولذلك، فإن الرهان السوداني على “التضامن المطلق” مع القاهرة يصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيداً تحكمه حسابات الاقتصاد والتحالفات والضغوط الدولية.
وفي المقابل، فإن السياسة المصرية القائمة على تعدد التوازنات قد تحقق مكاسب مرحلية، لكنها تحمل مخاطر بعيدة المدى. فالشعور المتزايد داخل السودان بأن القاهرة فضلت مصالحها الاقتصادية وتحالفاتها الإقليمية على حساب دعم الخرطوم بشكل واضح، قد يترك آثاراً عميقة على طبيعة العلاقة بين البلدين مستقبلاً.
كما أن استمرار حالة الغموض في الموقف المصري قد يدفع قوى سودانية عديدة إلى إعادة النظر في شكل التحالفات التقليدية، خاصة إذا شعرت بأن المصالح السودانية لم تعد أولوية في السياسة المصرية.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة أمام السودان لبناء رؤية أكثر واقعية في علاقاته الخارجية، تقوم على الندية والمصالح المتبادلة لا على منطق الانتظار أو الرهان على المواقف العاطفية. فالدول تتحرك وفق ما تراه محققاً لأمنها ومصالحها، والسودان بدوره يحتاج إلى بناء معادلة تجعل من استقراره مصلحة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
خاتمة
تكشف الحرب السودانية أن العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف أو الروابط التاريخية، بل بمنطق المصالح والتوازنات المعقدة. فالقاهرة، مثل غيرها من العواصم الإقليمية، تتحرك وفق حسابات الأمن والاقتصاد والتحالفات، حتى وإن بدا ذلك متناقضاً مع تطلعات الشارع السوداني.
لكن في المقابل، فإن استمرار سياسة التوازنات الرمادية يحمل مخاطر بعيدة المدى على مستقبل العلاقات السودانية المصرية، خاصة مع تصاعد الشعور داخل السودان بأن المصالح الاقتصادية والإقليمية أصبحت تتقدم على اعتبارات التحالف التاريخي بين البلدين.
ومن هنا، تبدو الحاجة ملحة أمام السودان لإعادة صياغة علاقاته الخارجية على أساس الندية والمصالح المتبادلة، لا على رهانات العاطفة أو انتظار المواقف الأخوية. فالدول لا تحكمها المجاملات السياسية، بل توازنات القوة والمصالح، ويبقى الرهان الحقيقي دائماً على قدرة السودانيين أنفسهم على حماية دولتهم وصياغة مستقبلهم وسط هذا المشهد الإقليمي المعقد. وبين تعقيدات الاقتصاد والسياسة والأمن، تبقى الحقيقة الأهم أن مستقبل السودان لن يصنعه سوى السودانيين أنفسهم، مهما تعددت حسابات “الأخوة الأعداء”.
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.































