يُعد الصراع في شمال إثيوبيا أحد أكثر الصراعات تعقيدًا في القارة الأفريقية خلال العقد الأخير، بالنظر إلى تشابك أبعاده الإثنية والسياسية والعسكرية والإقليمية، فضلًا عن ارتباطه المباشر بمستقبل النظام الفيدرالي الإثيوبي وتوازنات الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي. فمنذ اندلاع الحرب بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، دخلت الدولة الإثيوبية مرحلة من الاضطراب البنيوي الحاد، انعكست بصورة مباشرة على طبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم، وعلى مستقبل الفيدرالية الإثنية التي شكّلت الإطار الناظم للدولة منذ تسعينيات القرن الماضي.
ورغم أن اتفاق بريتوريا للسلام مثّل محاولة لاحتواء النزاع وإعادة دمج إقليم تيغراي داخل الدولة الفيدرالية، فإن الاتفاق لم ينجح في معالجة القضايا الجوهرية المرتبطة بتوزيع السلطة، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية، وتسوية النزاعات الحدودية، ومعالجة ملفات العدالة الانتقالية وإعادة الإعمار. وبمرور الوقت، تحولت حالة “السلام الهش” إلى حالة من الاستقطاب السياسي المتصاعد، خاصة مع تفاقم الانقسامات داخل النخبة التيغراوية بين جناح متشدد متمسك بالإرث السياسي والعسكري للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وتيار آخر أكثر قربًا من الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا.
وفي هذا السياق، برز الإعلان عن “مجلس تيغراي للسلام والتغيير” باعتباره تطورًا مفصليًا يعكس انتقال الحكومة الفيدرالية من سياسة الاحتواء العسكري المباشر إلى إستراتيجية إعادة تشكيل المجال السياسي داخل تيغراي عبر دعم قوى محلية بديلة تنازع الجبهة الشعبية شرعيتها التاريخية. ومن هنا تتمثل الإشكالية المركزية لهذه الورقة في التساؤل حول ما إذا كان تأسيس هذا المجلس يمثل مدخلًا حقيقيًا لإعادة الاستقرار السياسي في شمال إثيوبيا، أم أنه يعكس محاولة لإعادة هندسة التوازنات الداخلية بصورة قد تؤدي إلى تعميق الانقسام وإعادة إنتاج الصراع بأدوات جديدة.
وتنطلق الورقة من فرضية أساسية مفادها: أن المجلس الجديد لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد إطار إداري مؤقت، بل باعتباره أداة سياسية وأمنية ضمن مشروع أوسع تسعى من خلاله الحكومة الفيدرالية إلى إعادة صياغة معادلة السلطة في شمال إثيوبيا، وتقليص النفوذ التاريخي لـ الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، بما ينسجم مع التحولات الجارية في بنية الدولة الإثيوبية وموازين القوى الإقليمية في القرن الأفريقي.
وفي ضوء ذلك، تهدف هذه الورقة إلى تحليل الخلفيات البنيوية والسياسية التي أفضت إلى تأسيس “مجلس تيغراي للسلام والتغيير”، واستكشاف طبيعة الانقسام داخل النخبة التيغراوية، فضلًا عن تقييم الأبعاد الاقتصادية والأمنية للأزمة، وتأثير التنافسات الإقليمية المحيطة بالصراع، وصولًا إلى استشراف السيناريوهات المستقبلية المحتملة لمسار الأزمة في شمال إثيوبيا وانعكاساتها على استقرار القرن الأفريقي.
أولًا: الفيدرالية الإثنية في إثيوبيا والسياق البنيوي للأزمة
تشكل الفيدرالية الإثنية في إثيوبيا الإطار البنيوي الحاكم للعلاقة بين المركز والأقاليم منذ إقرار دستور عام 1995، عقب صعود الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إلى السلطة بعد إسقاط نظام (منغستو هايلي مريام). وقد تأسس هذا النموذج على فكرة إعادة تنظيم الدولة وفق أسس قومية وإثنية، من خلال منح القوميات المختلفة أقاليم تتمتع بصلاحيات سياسية وإدارية واسعة داخل إطار الدولة الفيدرالية، بما في ذلك الاعتراف الدستوري بحق تقرير المصير نظريًا حتى حد الانفصال ([1]).
وجاء تبني هذا النموذج استجابة للتعدد الإثني واللغوي المعقد داخل الدولة الإثيوبية، ومحاولة لاحتواء النزعات الانفصالية والصراعات التاريخية بين القوميات المختلفة، غير أن التطبيق العملي للفيدرالية الإثنية أدى تدريجيًا إلى ترسيخ الانقسامات الهوياتية بدلًا من تجاوزها. فقد أصبحت السلطة السياسية مرتبطة بصورة مباشرة بالانتماء القومي، وتحولت الأقاليم إلى وحدات تعبئة سياسية وأمنية متنافسة، وهو ما عزز منطق “القومية السياسية” على حساب مفهوم الدولة الوطنية ([2]).
وخلال ما يقرب من ثلاثة عقود، احتفظت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بنفوذ واسع داخل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والبيروقراطية، رغم أن قومية التيغراي لا تمثل سوى نسبة محدودة من إجمالي السكان. إلا أن وصول (آبي أحمد) إلى السلطة عام 2018 مثّل نقطة تحول جوهرية في بنية النظام السياسي الإثيوبي، حيث سعى إلى تقليص هيمنة الجبهة الشعبية وإعادة بناء الدولة على أسس أكثر مركزية، عبر تفكيك الائتلاف الحاكم السابق وتأسيس حزب الازدهار ([3]).
وقد أدى هذا التحول إلى صدام مباشر بين مشروعين متناقضين: الأول يتمسك باستمرار الفيدرالية الإثنية بصيغتها التقليدية التي تمنح الأقاليم هامشًا واسعًا من الاستقلال السياسي والأمني، والثاني يسعى إلى إعادة تركيز السلطة في يد الحكومة الفيدرالية وتقليص النفوذ الإثني داخل مؤسسات الدولة. وفي هذا السياق، يمكن فهم الأزمة في تيغراي باعتبارها انعكاسًا لصراع أعمق حول طبيعة الدولة الإثيوبية نفسها، وحدود السلطة بين المركز والأقاليم، ومستقبل التوازنات الإثنية والسياسية داخل البلاد.
ثانياً: السياق البنيوي لتأسيس مجلس تيغراي للسلام والتغيير
لا يمكن فهم تأسيس “مجلس تيغراي للسلام والتغيير” بمعزل عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الفيدرالي في إثيوبيا منذ وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بإدارة أزمة أمنية في إقليم تيغراي، بل أصبحت تعبيرًا عن صراع بنيوي حول طبيعة الدولة الإثيوبية نفسها: هل تظل دولة قائمة على التوازنات الإثنية اللامركزية، أم تتحول تدريجيًا إلى نموذج أكثر مركزية تقوده السلطة الفيدرالية في أديس أبابا؟ ([4]).
فلقد تأسست الفيدرالية الإثنية الإثيوبية بعد عام 1991 بوصفها صيغة لإدارة التنوع القومي عبر توزيع السلطة على الأقاليم، غير أن هذا النموذج أفرز مع الوقت مراكز قوة إقليمية موازية للدولة المركزية، كان أبرزها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي تمكنت من بناء شبكة نفوذ واسعة داخل الجيش والأجهزة الأمنية والبيروقراطية الفيدرالية. ولذلك، فإن مشروع آبي أحمد لم يكن مجرد برنامج إصلاحي، بل محاولة لإعادة احتكار الدولة المركزية لأدوات القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية ([5]).
وتشير تحليلات مجموعة الأزمات الدولية إلى أن الحكومة الفيدرالية تسعى منذ عام 2019 إلى إعادة ضبط العلاقة بين المركز والأقاليم عبر تفكيك البنية السياسية التي كرست نفوذ الأحزاب الإثنية التقليدية، وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بما يضمن تقليص استقلالية الأقاليم ([6]).
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى “مجلس تيغراي للسلام والتغيير” باعتباره جزءًا من سياسة “إعادة هندسة المجال السياسي الإقليمي”، بحيث لا تبقى الشرعية السياسية داخل تيغراي محتكرة من قبل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. فالحكومة الفيدرالية تسعى إلى خلق نخب محلية بديلة أكثر ارتباطًا بالمركز وأقل ميلًا إلى تبني خطاب الانفصال أو الحكم الذاتي الموسع.
غير أن هذا التحول يواجه معضلة جوهرية؛ إذ إن تقليص استقلالية الأقاليم بالقوة السياسية أو العسكرية قد يؤدي إلى نتائج عكسية تتمثل في تصاعد النزعات القومية والإثنية، وعودة منطق “الأمن الهوياتي” الذي يدفع الجماعات المحلية إلى التمسك بالتنظيمات المسلحة باعتبارها الضامن الوحيد لبقائها السياسي.
ثالثاً: الانقسام داخل النخبة التيغراوية وتحولات الشرعية السياسية
لقد كشفت الأزمة في تيغراي عن تحول جوهري في مفهوم الشرعية السياسية داخل الإقليم. فقبل الحرب، كانت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تستمد شرعيتها من الإرث الثوري والسيطرة المؤسسية والقدرة على حماية الهوية التيغراوية داخل الدولة الإثيوبية. إلا أن الحرب وما أعقبها من تدمير واسع للإقليم أضعفت بصورة كبيرة هذه الركائز التقليدية للشرعية ([7]).
ورغم استمرار الجبهة في الاحتفاظ بنفوذ عسكري واجتماعي واسع، فإنها باتت تواجه تحديًا مزدوجًا: فمن جهة، تتهمها قطاعات داخلية بأنها قادت الإقليم إلى حرب كارثية أفضت إلى انهيار اقتصادي وإنساني واسع؛ ومن جهة أخرى، تعمل الحكومة الفيدرالية على إنتاج شرعية بديلة عبر دعم قوى سياسية معارضة للجبهة وتقديمها باعتبارها “القوة الواقعية” القادرة على إعادة الاستقرار مما عزز الانقسام داخل النخبة التيجراوية ([8]). هذا الانقسام الذي ظهر بوضوح عقب إعلان (دبرتسيون غبرميخائيل) القائد السياسى والعسكرى البارز للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إعادة تفعيل البرلمان الإقليمي السابق للحرب وتنصيب نفسه رئيسًا للإقليم، وهو ما اعتبرته الحكومة الفيدرالية تجاوزًا لاتفاق بريتوريا وتهديدًا للشرعية الدستورية ([9]).
في المقابل، حاول (غيتاتشو ردا) تقديم نفسه بوصفه ممثلًا لتيار “البراغماتية السياسية”، القادر على إعادة دمج إقليم تيغراي داخل الدولة الإثيوبية وإنهاء حالة العزلة التي يعيشها الإقليم. إلا أن هذا الطرح لا يزال يواجه رفضًا واسعًا من قطاعات اجتماعية تعتبر أن أي تقارب مع الحكومة الفيدرالية هو بمثابة تنازل عن “الهوية السياسية” لإقليم تيغراي. وانتهى هذا الانقسام بخروج (غيتاتشو ردا) من رئاسة الإدارة المؤقتة وتعيين قائد عسكري آخر بديلًا عنه، بينما انتقل لاحقًا إلى منصب استشاري لدى الحكومة الفيدرالية بقيادة آبي أحمد. ([10]).
ومن هنا، فإن “مجلس تيغراي للسلام والتغيير” لا يمثل مجرد كيان إداري، بل يدخل ضمن معركة أوسع حول من يمتلك حق تمثيل تيغراي سياسيًا. فالصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة العسكرية على الأرض، بل أيضًا حول احتكار الخطاب السياسي والرمزي داخل الإقليم.
ولذلك فإن استمرار الانقسام داخل النخبة التيغراوية ينذر بتحول الأزمة من صراع بين المركز والإقليم إلى صراع داخلي بين التيغراويين أنفسهم، وهو السيناريو الأخطر، لأن الحروب الأهلية الداخلية غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا واستدامة من الحروب بين الأطراف المتمايزة إثنيًا أو جغرافيًا.
رابعاً: الأبعاد الاقتصادية والأمنية للأزمة في إقليم تيغراي
حيث لا تنفصل الأزمة السياسية في الإقليم عن البعد الاقتصادي الذي أصبح أحد أهم أدوات الضغط المتبادل بين الحكومة الفيدرالية وسلطات إقليم تيغراي. فقد أدت سياسة تجميد الموازنات ووقف التحويلات المالية إلى تفاقم الأزمة الإنسانية داخل الإقليم، وبخاصة مع تعليق رواتب عشرات الآلاف من الموظفين العموميين ([11]).
وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن أكثر من 5.2 ملايين شخص في تيغراي ظلوا بحاجة إلى مساعدات غذائية وإنسانية خلال عام 2026، في ظل تراجع الإنتاج الزراعي وتعطل شبكات الإمداد والخدمات الأساسية¹⁰. كما قدّر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار والتعافي في شمال إثيوبيا بأكثر من 20 مليار دولار، تشمل قطاعات البنية التحتية والصحة والزراعة والطاقة ([12]).
كما أسهم تدمير البنية التحتية خلال سنوات الحرب في إضعاف قدرة المؤسسات المحلية على تقديم الخدمات الأساسية، الأمر الذي أدى إلى تصاعد معدلات الفقر والنزوح الداخلي وانعدام الأمن الغذائي. وتشير تقارير دولية إلى أن اقليم تيغراي لا يزال يعاني من مستويات مرتفعة من الهشاشة الإنسانية رغم انتهاء العمليات العسكرية الكبرى ([13]).
وتستند سياسة الضغط الاقتصادي إلى فرضية مفادها أن إنهاك البيئة الاجتماعية والاقتصادية المحيطة بـ الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي سيؤدي تدريجيًا إلى تآكل الحاضنة الشعبية للجبهة، ودفع قطاعات المجتمع إلى قبول ترتيبات سياسية بديلة أكثر قربًا من المركز.
غير أن هذه المقاربة تحمل مخاطر كبيرة؛ إذ إن العقوبات الاقتصادية في البيئات الهشة لا تؤدي دائمًا إلى إضعاف القوى المسلحة، بل قد تسهم في تعزيز اقتصاد الحرب، وإعادة إنتاج شبكات التهريب والسوق السوداء، وزيادة اعتماد المجتمعات المحلية على الفاعلين المسلحين بدلًا من مؤسسات الدولة.
وعلى المستوى الأمني، لا تزال قوات دفاع تيغراي تحتفظ بقدرات عسكرية كبيرة، وهو ما يثير مخاوف من احتمال عودة المواجهة المسلحة، خاصة في ظل استمرار انتشار الميليشيات المحلية والنزاعات الحدودية مع إقليم أمهرة ([14]).
لذلك تكشف الأزمة في إقليم تيغراي عن الترابط الوثيق بين الأمن والتنمية في إثيوبيا؛ فالتدهور الاقتصادي الناتج عن الحرب أسهم في تعميق الهشاشة الأمنية، بينما أدى استمرار التوترات الأمنية إلى إعاقة التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. ومن ثم فإن تحقيق سلام مستدام في تيغراي لا يتوقف على وقف القتال فحسب، بل يتطلب معالجة جذور الأزمة السياسية، وإعادة بناء المؤسسات الاقتصادية، وعودة النازحين، وتعزيز المصالحة الوطنية، بما يضمن استقرار الدولة.
خامساً: التنافس الإقليمي وتأثيره على معادلة الصراع
يتجاوز الصراع في إقليم تيغراي البعد الداخلي الإثيوبي ليصبح جزءًا من شبكة أوسع من التنافسات الجيوسياسية في القرن الأفريقي. فالعلاقة المتوترة بين إثيوبيا او جبهة تحرير شعب تيغراي بالأخص وإريتريا لا تزال تلقي بظلالها على المشهد الأمني، فلقد شاركت القوات الإريترية بصورة مباشرة في العمليات العسكرية داخل الإقليم، ما منح الحكومة الإثيوبية تفوقًا عسكريًا في مراحل عديدة من الحرب خصوصًا مع استمرار الشكوك المتبادلة بشأن النفوذ العسكري والحدود والمنافذ البحرية، لذلك فإنه من منظور إريتريا، فإن إضعاف جبهة تيغراي يمثل هدفًا استراتيجيًا لمنع عودة خصم تاريخي يمتلك نفوذًا عسكريًا وسياسيًا على حدودها الجنوبية ([15]).
كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار في شمال إثيوبيا يثير قلق القوى الإقليمية والدولية، نظرًا لما قد يترتب عليه من تدفقات لجوء واسعة، وتهديدات للممرات التجارية الحيوية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ولذلك، تسعى أطراف دولية متعددة إلى منع انهيار الترتيبات الأمنية التي أوجدها اتفاق بريتوريا، وإن كان ذلك دون نجاح حاسم حتى الآن ([16]).
ولذلك فقد أثبتت أزمة إقليم تيغراي أن الصراعات الداخلية في القرن الأفريقي لا يمكن فصلها عن البيئة الإقليمية المحيطة بها. فقد أدى التنافس بين القوى الإقليمية وتضارب المصالح الأمنية والاقتصادية إلى تعقيد مسار الحرب وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. وبذلك أصبح مستقبل تيغراي مرتبطًا ليس فقط بالتفاهمات بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، وإنما أيضًا بكيفية إدارة التفاعلات الإقليمية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر،
سادساً: السيناريوهات المستقبلية للصراع
- سيناريو الصدام العسكري الشامل: يظل هذا السيناريو قائمًا في حال إصرار “مجلس تيغراي للسلام والتغيير” على فرض نفسه داخل الإقليم بالقوة، خاصة إذا حصل على دعم مباشر أو غير مباشر من الجيش الفيدرالي. وفي هذه الحالة، قد تدخل تيغراي في حرب أهلية داخلية بين فصائل تيغراوية متنافسة، وهو ما سيؤدي إلى تفكيك النسيج الاجتماعي داخل الإقليم بصورة غير مسبوقة ([17]).
- سيناريو الاحتواء طويل الأمد: يقوم هذا السيناريو على استمرار الوضع الراهن دون حسم عسكري مباشر، بحيث تستخدم الحكومة الفيدرالية أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي لإضعاف الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تدريجيًا، مع منح المجلس الجديد شرعية سياسية وإدارية متزايدة. ورغم أن هذا السيناريو يبدو أقل تكلفة على المدى القصير، فإنه يحمل خطر تحويل تيغراي إلى “إقليم معلق” سياسيًا واقتصاديًا، بما يشبه نماذج الصراعات المجمدة في بعض مناطق أفريقيا وآسيا، وهو ما قد يؤدي إلى استدامة عدم الاستقرار بدلًا من حله.
- سيناريو التسوية السياسية المشروطة: يفترض هذا السيناريو نجاح ضغوط إقليمية ودولية في دفع الأطراف نحو إعادة التفاوض حول ترتيبات الحكم في تيغراي، بما يشمل تقاسم السلطة، وإعادة دمج القوات المسلحة، وتسوية النزاعات الحدودية. ويُعد هذا السيناريو الأقل كلفة والأكثر استدامة، لكنه يواجه عقبات كبيرة، أهمها انعدام الثقة بين الأطراف، وغياب ضمانات تنفيذية حقيقية، فضلًا عن تعارض الرؤى حول مستقبل الفيدرالية الإثنية نفسها.
- سيناريو الانهيار الإقليمي الشامل: وهو السيناريو الأخطر، ويتمثل في انهيار التوازنات الداخلية الإثيوبية بصورة كاملة، بما يؤدي إلى تداخل الصراعات بين تيغراي وأمهرة والقوات الفيدرالية وقوى إقليمية أخرى. وفي هذه الحالة، قد تتحول إثيوبيا إلى ساحة صراع مفتوح متعدد المستويات، بما يهدد الأمن الإقليمي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر بصورة مباشرة ([18]).
الخاتمة
تكشف التطورات الأخيرة في تيغراي أن الأزمة الإثيوبية لم تدخل بعد مرحلة التسوية النهائية، بل انتقلت من طور الحرب العسكرية المفتوحة إلى طور إعادة هندسة التوازنات السياسية والأمنية داخل الدولة الفيدرالية. ويعكس تأسيس “مجلس تيغراي للسلام والتغيير” رغبة الحكومة الفيدرالية في إنتاج ترتيبات بديلة تُضعف احتكار الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي للسلطة داخل الإقليم، غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى مرهونًا بقدرتها على تحقيق قدر من الشرعية المحلية والاستقرار الاقتصادي والأمني.
كما يمكن وصف مجلس تيغراي للسلام والتغيير” بانه ليس مجرد إطار إداري مؤقت، وإنما أداة ضمن مشروع أوسع لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم، وإعادة توزيع موازين القوة داخل الدولة، كما ان هذه الازمة تتجاوز حدود الصراع المحلي داخل تيغراي، لتعبّر عن أزمة أعمق تتعلق بمستقبل الفيدرالية الإثنية، وحدود السلطة المركزية، وطبيعة الدولة الإثيوبية في مرحلة ما بعد الحرب.
لذلك فان استمرار الاعتماد على أدوات الاحتواء القسري والحصار الاقتصادي دون معالجة القضايا البنيوية المرتبطة بالعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، وتقاسم السلطة، وتسوية النزاعات الحدودية، سيُبقي احتمالات تجدد الصراع قائمة، بما يهدد ليس فقط وحدة إثيوبيا، وإنما أيضًا استقرار الإقليم بأسره. ومن ثم، فإن تحقيق الاستقرار المستدام في شمال إثيوبيا يظل مرهونًا بإطلاق عملية سياسية شاملة تعيد بناء الثقة بين المركز والأقاليم، وتؤسس لصيغة توازن جديدة قادرة على استيعاب التعقيدات الإثنية والسياسية التي تحكم الدولة الإثيوبية الحديثة
____________
الهوامش والمصادر
([1]) Lovise Aalen, Ethnic Federalism in Ethiopia, Addis Ababa University Press, 2006, pp. 22-28.
([2]) Christopher Clapham, Transformation and Continuity in Revolutionary Ethiopia, Cambridge University Press, 2018, pp. 145-151.
([3]) Mohammed Hassan, “The Ethiopian State and Ethnic Federalism,” African Affairs, Vol.118, No.472, 2019, pp.311-317.
([4]) مركز الاستشارات والبحوث الجيوسياسية (CFR)، متابعة النزاعات العالمية: الصراع في إثيوبيا ومآلات اتفاق بريتوريا والحدود الداخلية، واشنطن، 2026، ص12.
([5]) Terrence Lyons, The Puzzle of Ethiopian Politics, Lynne Rienner Publishers, 2019, pp.88-94.
([6]) International Crisis Group – Ethiopia Conflict Analysis
Journal of Democracy ([7]) ، “الترتيبات السياسية والانتخابات الفيدرالية الإثيوبية وعزل القوى التقليدية في الأقاليم“، المجلد 37، العدد 2، مايو 2026، ص21.
([8]) وكالة Addis Standard ، “تأسيس مجلس تيغراي للسلام والتغيير في أديس أبابا“، 18 مايو 2026، ص4-6.
([9]) وكالة الأنباء الفرنسية (AFP)، “مخاوف من تجدد الصراع المسلح عقب استعادة جبهة تيغراي السيطرة على البرلمان الإقليمي“، 6 مايو 2026، ص3.
([10]) وكالة الأنباء الفرنسية، مرجع سابق، ص5.
([11]) وزارة مالية إقليم تيغراي، تقرير حظر الموازنات الفيدرالية وتعليق الرواتب، ميكيلي، مايو 2026، ص8.
([12]) World Bank – Ethiopia Recovery Assessment
([13]) Chatham House, Ethiopia after Pretoria Agreement, London, 2026, p.17.
([14]) مركز الدراسات الأفريقية والأمن الإقليمي، النزاعات الحدودية والتحولات الأمنية في شمال إثيوبيا، القاهرة، 2026، ص14.
([15]) Chatham House, op.cit., p.22.
([16]) مركز الاستشارات والبحوث الجيوسياسية (CFR)، مرجع سابق، ص11.
([17]) وكالة الأنباء الفرنسية (AFP)، “مخاوف من تجدد الصراع المسلح عقب استعادة جبهة تيغراي السيطرة على البرلمان الإقليمي“، 6 مايو 2026، ص3-7.
([18]) مركز الدراسات الأفريقية والأمن الإقليمي، النزاعات الحدودية والتحولات الأمنية في شمال إثيوبيا، القاهرة، 2026، ص14-19.
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


























