وافق البرلمان الأوغندي، في 6 أغسطس 2026، على طلب الحكومة السماح بنشر قوات من الجيش الأوغندي في قطاع غزة ضمن «قوة الاستقرار الدولية» المزمع نشرها في القطاع.
ويعد القرار تطورًا مهما في السياسة الأمنية الخارجية لأوغندا؛ إذْ ينقل خبرتها العسكرية، التي تركزت لعقود في ساحات النزاع الإفريقية، إلى إحدى أكثر البيئات الأمنية والسياسية تعقيدًا في الشرق الأوسط.
ولا تعني موافقة البرلمان أن القوات الأوغندية دخلت غزة بالفعل. فالقرار يمنح الرئيس #يوري_موسيفيني الإطار القانوني اللازم لإرسال قوة عند اكتمال ترتيبات المهمة، فيما لم تعلن كمبالا بعد عدد الجنود الذين ستشارك بهم، أو موعد انتشارهم، أو تفاصيل تمويلهم وتجهيزهم.
وقال وزير الدفاع #كيريووا_كيوانوكا أمام البرلمان إن الرئيس الأمريكي #دونالد_ترامب طلب، عبر مبعوثين خلال يوليو الماضي، من موسيفيني مساهمة أوغندا في القوة، كما عُقدت اجتماعات تخطيط بين قيادات عسكرية أوغندية ومسؤولين في السفارة الأمريكية وقيادة قوة الاستقرار الدولية.
الإطار القانوني للمشاركة
وجاءت موافقة البرلمان تطبيقًا للمادة 38 من قانون قوات الدفاع الشعبية الأوغندية، التي تشترط موافقة السلطة التشريعية على إرسال قوات إلى الخارج في مهمات حفظ السلام، كما ينص القانون على إبرام اتفاق لوضع القوات عند تنفيذ الانتشار في إطار ثنائي أو متعدد الأطراف.
وبذلك تكون كمبالا قد أنجزت مرحلة الموافقة الداخلية، بينما تبقى ترتيبات وضع القوات، وقواعد الاشتباك، والمسؤوليات القانونية والمالية من العناصر الأساسية التي ينبغي استكمالها قبل الانتشار الفعلي.
أما دوليًا، فتستند المهمة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2803 الصادر في 17 نوفمبر 2025، والذي أُقر بأغلبية 13 صوتًا مع امتناع الصين وروسيا عن التصويت.
وأجاز القرار إنشاء قوة دولية مؤقتة للاستقرار في غزة تحت قيادة موحدة، وبالتنسيق الوثيق مع مصر وإسرائيل، ضمن الترتيبات الانتقالية التي يشرف عليها «مجلس السلام».
ليست مهمة تقليدية لحفظ السلام
هذه النقطة هي الأكثر أهمية لفهم القرار الأوغندي. فقوة الاستقرار الدولية ليست بعثة من نموذج قوات «القبعات الزرق» التقليدية التي تراقب وقف إطلاق النار بين طرفين بعد انتهاء القتال.
فقرار مجلس الأمن يمنح القوة صلاحيات أوسع تشمل المساهمة في تأمين الحدود، وتثبيت البيئة الأمنية، وحماية المدنيين والعمليات الإنسانية، ودعم وتدريب الشرطة الفلسطينية، وتأمين الممرات الإنسانية، إضافة إلى المشاركة في عملية نزع السلاح وتفكيك البنية العسكرية ومنع إعادة بنائها. كما أجاز القرار استخدام «جميع التدابير اللازمة» لتنفيذ المهمة وفق القانون الدولي.
وهنا تكمن حساسية المشاركة الأوغندية. فالانتقال من حماية ممر إنساني أو مراقبة اتفاق إلى الانخراط في عملية نزع أسلحة جماعات مسلحة يمكن أن يحول المهمة سريعًا من حفظ السلام إلى #فرض_الاستقرار_بالقوة، خصوصًا إذا ظلت الترتيبات المتعلقة بانسحاب القوات الإسرائيلية ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية موضع خلاف.
وتشير وثائق #مجلس_السلام إلى أنّ قوة الاستقرار ستكون جزءًا من مسار متزامن يشمل نزع السلاح، وانسحابًا إسرائيليًا مرحليًا، ونشر شرطة فلسطينية مدربة، وانتقال الإدارة إلى هيئة فلسطينية تكنوقراطية.
غير أن تنفيذ هذه المكونات ظل متعثرًا خلال الأشهر الماضية، بما يجعل نجاح القوة مرتبطًا بعملية سياسية وأمنية أوسع لا تتحكم فيها الدول المساهمة بقوات بمفردها.
لماذا أوغندا؟
التفسير الرسمي في كمبالا يركز على الخبرة التي راكمها الجيش الأوغندي في مهمات السلام والاستقرار، ولا سيما في الصومال، إلى جانب عملياته في جمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى. وترى الحكومة أن اختيار أوغندا للمشاركة يعكس اعترافًا دوليًا بالقدرات العملياتية التي طورها الجيش خلال العقود الماضية.
لكن للقرار بعدًا آخر يتصل بما يمكن تسميته ـ #الدبلوماسية_العسكرية_الأوغندية. فقد تحولت المشاركة في عمليات الأمن الإقليمي، وخاصة في الصومال، إلى إحدى أدوات كمبالا لتعزيز أهميتها الاستراتيجية لدى القوى الغربية والمؤسسات الدولية. والمشاركة في غزة قد توسع هذا الدور من الإطار الإفريقي إلى ترتيبات أمن دولية تتصل مباشرة بالولايات المتحدة والشرق الأوسط.
ولا توجد حتى الآن معلومات علنية تكفي للجزم بوجود مقابل سياسي أو مالي محدد للمشاركة. وقد طرح نواب أوغنديون على أنفسهم التساؤلات التالية أثناء المناقشات:
◾️من سيمول القوات؟
◾️وما مصلحة أوغندا المباشرة؟
◾️وما الشروط التي سيعمل الجنود بموجبها؟
وهي أسئلة بقي بعضها دون إجابات تفصيلية معلنة.
المخاطر العسكرية والسياسية
التحدي الأول عملياتي. غزة بيئة حضرية شديدة الكثافة، وتعرضت أجزاء واسعة من بنيتها التحتية للدمار، كما أن الحدود بين مهام حماية المدنيين وفرض الترتيبات الأمنية قد تصبح غير واضحة بسرعة. وقد حذر نواب أوغنديون خلال النقاش البرلماني من أن خبرة الصومال، على أهميتها، لا تعني بالضرورة أن المخاطر في غزة ستكون مماثلة، خاصة في ظل احتمالات الكمائن والاحتكاك المباشر مع جماعات مسلحة وصعوبة التمييز العملياتي بين المدنيين والمقاتلين في بعض البيئات.
والتحدي الثاني يتعلق بالحياد والشرعية. فمن سيحدد متى يعتبر طرف ما مخالفًا للاتفاق؟ ومن يصدر الأمر باستخدام القوة؟ وما حدود مسؤولية القوة الدولية إذا تعثرت عملية الانسحاب الإسرائيلي أو نزع السلاح؟
هذه المسائل ستحدد ما إذا كان الجنود المشاركون سيُنظر إليهم باعتبارهم قوة محايدة لحماية الانتقال، أم طرفًا ينفذ جانبًا من ترتيبات سياسية وأمنية متنازع عليها.
وتزداد هذه الحساسية بالنسبة لأوغندا لكونها عضوًا في منظمة التعاون الإسلامي منذ عام 1974. وقد أُثير هذا البعد بالفعل داخل البرلمان، في ظل ضرورة الموازنة بين علاقات كمبالا الأمنية المتنامية مع الولايات المتحدة وإسرائيل وبين موقعها الدبلوماسي داخل المنظمة وعلاقاتها مع الدول العربية والإسلامية.
البعد الإفريقي
القرار يحمل أيضًا دلالة تتجاوز أوغندا. فالقوة التي أعلن عن تأسيسها تستهدف الوصول في صورتها النهائية إلى نحو 20 ألف جندي. وكانت إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا قد أعلنت في فبراير استعدادها للمساهمة بقوات، بينما التزمت مصر والأردن بالمساعدة في تدريب الشرطة الفلسطينية. ويضيف دخول أوغندا بعدًا إفريقيًا آخر إلى بنية القوة، إلى جانب المغرب.
وهذا التطور يفتح ملفًا أوسع يتعلق بمكانة الجيوش الإفريقية في سوق عمليات السلام والأمن الدولية. فدول مثل أوغندا ورواندا وكينيا وإثيوبيا وغانا والسنغال اكتسبت خبرات كبيرة من المشاركة في بعثات الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي. وإذا تحولت هذه الخبرة إلى أداة للعمل في مسارح خارج القارة، فقد تصبح المشاركة العسكرية الدولية عنصرًا أكثر وضوحًا في السياسة الخارجية لبعض الدول الإفريقية.
لكن ذلك يطرح، في المقابل، سؤالًا حول حدود انتشار القدرات العسكرية الإفريقية في الخارج في وقت لا تزال فيه القارة نفسها تواجه فجوات كبيرة في تمويل بعثات السلام، من الصومال إلى الساحل والكونغو الديمقراطية والسودان.
ما الذي ينبغي مراقبته؟
القيمة الحقيقية للقرار الأوغندي لن تتضح من الموافقة البرلمانية وحدها؛ بل من الشروط التي سترافق التنفيذ. وستكون هناك مجموعة من المؤشرات الحاسمة: عدد الجنود ومهامهم المحددة، الجهة التي ستمول الانتشار، قواعد الاشتباك، اتفاق وضع القوات، سلسلة القيادة والمسؤولية عن القرارات العملياتية، وآليات التحقيق والمساءلة في حال وقوع خسائر مدنية أو احتكاكات مسلحة.
كما سيكون للتسلسل السياسي أهمية بالغة. فإذا دخلت القوة بعد انسحاب إسرائيلي متفق عليه، وضمن ترتيبات فلسطينية واضحة، وبقبول سياسي واسع، فقد تقترب مهمتها من نموذج الاستقرار الانتقالي. أما إذا دخلت بينما تظل قضايا الانسحاب ونزع السلاح والسيادة وإدارة غزة محل نزاع، فإن الدول المشاركة قد تجد قواتها داخل صراع سياسي وعسكري لم يُحسم بعد.
لهذا، لا يُعَدّ تصويت البرلمان الأوغندي نهاية النقاش، بل بدايته. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بما إذا كانت أوغندا قادرة على إرسال جنود إلى غزة، وإنما بماهية المهمة التي سيُطلب من هؤلاء الجنود تنفيذها، والجهة التي سيعملون تحت قيادتها، والهدف السياسي النهائي الذي يفترض أن تحميه القوة الدولية.
وستحدد الإجابات عن هذه المسائل ما إذا كانت مشاركة أوغندا ستعزز موقعها كفاعل أمني دولي، أم ستضعها أمام واحدة من أكثر المهمات الخارجية حساسية وتعقيدًا في تاريخ قواتها المسلحة.
____________
#أوغندا #غزة #قوة_الاستقرار_الدولية #حفظ_السلام #الأمن_الدولي #الدبلوماسية_العسكرية #الشرق_الأوسط #إفريقيا #السياسة_الخارجية #الأمن_الإقليمي #AfriKaTrends #أفريكا_تريندز
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
































