ملخص: هرجيسا في الاستراتيجية الأمريكية للبحر الأحمر دراسة ترصد تصاعد التقارب الأمريكي مع صوماليالاند، وأهمية ميناء بربرة في الحسابات الأمنية واللوجستية لواشنطن، وما يحمله ذلك من انعكاسات على توازنات البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
المقدمة
يشهد النظام الإقليمي في القرن الإفريقي مرحلة إعادة تشكيل عميقة، فرضتها التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية للبحر الأحمر، وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى، وعودة الجغرافيا السياسية لتكون العامل الحاسم في رسم أولويات السياسة الدولية. فبعد سنوات انصبّ خلالها الاهتمام الأمريكي على مكافحة الإرهاب والقرصنة، أصبحت واشنطن تنظر إلى المنطقة باعتبارها إحدى حلقات الصراع على النفوذ العالمي، وبوابة استراتيجية تربط بين الشرق الأوسط وأفريقيا والمحيط الهندي.
وتكتسب هذه التحولات أهمية خاصة في ضوء التهديدات التي تعرضت لها الملاحة الدولية في البحر الأحمر منذ نهاية 2023، وما ترتب عليها من اضطرابات في التجارة العالمية وارتفاع تكاليف النقل البحري، الأمر الذي أعاد باب المندب إلى صدارة الحسابات الاستراتيجية للدول الكبرى. ولم يعد تأمين هذا الممر الحيوي مرتبطًا فقط بحماية السفن التجارية، بل أصبح جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية والقدرة على ضمان حرية الملاحة في أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
في هذا السياق، تبرز صوماليلاند بوصفها فاعلًا لا يمكن تجاهله. فرغم غياب الاعتراف الدولي بها (باستثناء إسرائيل)، استطاعت خلال العقود الماضية بناء مؤسسات أكثر استقرارًا نسبيًا من كثير من مناطق الصومال، مستفيدة من موقعها المطل على خليج عدن ومن امتلاكها ميناء بربرة الذي يمثل أحد أهم الأصول الجيوسياسية في شرق أفريقيا. غير أن وصف هذا الاستقرار بأنه مطلق أو غير قابل للاهتزاز يحتاج إلى تحفظ منهجي، سيتم تفصيله في القسم الثاني، إذ إن صوماليلاند نفسها خاضت منذ فبراير 2023 نزاعًا مسلحًا داخليًا واسعًا في إقليمي سول وسناغ لم يُحسم بعد بشكل كامل.
وتأتي زيارة قائد قيادة أفريكوم إلى هرجيسا لتؤكد أن واشنطن تتبنى مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على التعامل مع الواقع الميداني وتوسيع شبكة شركائها الأمنيين بعيدًا عن الاعتبارات القانونية وحدها. ومن ثم، فإن أهمية الزيارة لا تكمن في مضمونها العسكري فحسب، بل فيما تعكسه، مقترنةً بالاعتراف الإسرائيلي السابق لها بأسابيع، من إعادة تقييم أمريكية-إقليمية مشتركة لموقع صوماليلاند داخل منظومة الأمن الإقليمي.
ومن هنا، فإن هذه الدراسة لا تتناول الزيارة باعتبارها حدثًا منفصلًا، بل باعتبارها مؤشرًا على تحول أوسع في الاستراتيجية الأمريكية تجاه القرن الإفريقي، وعلى إعادة توزيع مراكز الثقل الأمني في البحر الأحمر، في ظل بيئة دولية تتسم بتزايد التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وبروز أدوار إقليمية متنامية لكل من تركيا والإمارات وإسرائيل وإثيوبيا.
حمل النسخة الرقمية (مستند PDF) من هنا
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
































