أصبحت الخرطوم تستعيد بعضاً من حركتها بعد سنوات من القتال؛ حيث تعود الأسواق والمطاعم ووسائل النقل إلى حركتها الطبيعية تدريجيا؛ لكن أصوات السلاح تعود معها أيضاً.
فعلى الطرق وفي أطراف الأحياء ونقاط التفتيش، تظهر تشكيلات مسلحة متعددة، بعضها يرتدي الزي العسكري الرسمي، وبعضها يتحرك بملابس مدنية، فيما رصد صحفيو وكالة فرانس برس مقاتلين صغار السن، وعربات تحمل أسلحة ثقيلة ضمن القوات المساندة للجيش السوداني.
ولكن لا يخشى المدنيون هجوماً جديداً لقوات الدعم السريع وحدها فحسب؛ بل يخشون أن يتحول حلفاء الجيش الحاليون إلى مراكز قوة يصعب إخضاعها بعد انتهاء الحرب، بحسب ما أوردته أفريكانيوز.
وتنبع هذه المخاوف من تجربة سودانية قريبة ومؤلمة. فقوات الدعم السريع لم تنشأ في الأصل كجيش موازٍ ينازع الدولة سيادتها؛ بل تطورت من مجموعات سلّحتها السلطة لمواجهة التمرد في دارفور، قبل أن تُمنح وضعاً قانونياً وموارد وانتشاراً مستقلاً، ثم تتحول تدريجياً إلى شريك في الحكم ومنافس للقوات المسلحة. وانفجرت الحرب في أبريل 2023 عندما تعذر الاتفاق على شروط دمجها في جيش واحد، وعلى التسلسل القيادي والمدة الزمنية اللازمة لإتمام الدمج.
واليوم، يعتمد الجيش على تحالف جديد من الحركات الدارفورية والقوات المنشقة عن الدعم السريع والكتائب الإسلامية ومجموعات التعبئة المحلية. ولا يعني ذلك أنّ هذه القوى متطابقة في نشأتها أو مسؤولياتها أو أهدافها؛ لكن اجتماع الرجال والسلاح والقيادة المستقلة والنفوذ الجغرافي داخل كل تشكيل يعيد طرح السؤال الذي تجاهلته الدولة سابقاً، ألا وهو: من يضمن أن تبقى قوات الضرورة العسكرية خاضعة للمؤسسة عندما تتغير ضرورات الحرب؟
وتتمثل إشكالية المقال هذا في أنّ التقدم العسكري الذي يحققه الجيش بمساندة هذه التشكيلات قد يحمل في داخله بذور أزمة أمنية لاحقة؛ فكل قوة تزداد عدداً وتسليحاً ونفوذاً أثناء الحرب تصبح أكثر قدرة على التفاوض مع الدولة، أو مقاومتها، وعندما يحين وقت الدمج والتسريح. ويتعقد الأمر أكثر لأن الحرب لم تعد محصورة داخل السودان؛ بل امتدت شبكاتها إلى جنوب ليبيا وشرق تشاد وشمال جمهورية إفريقيا الوسطى، بينما تحاول أوغندا و«إيغاد» إعادة بناء مسار دبلوماسي إقليمي.
ومن وجهة نظر إفريقية موسعة، يقع السودان عند نقطة اتصال بين الساحل وحوض بحيرة تشاد والقرن الإفريقي والبحر الأحمر وشمال إفريقيا. ولذلك تنتقل آثار تفكك سلطته عبر حركة السلاح، والذهب، والوقود، والمقاتلين واللاجئين، من دارفور إلى الكفرة والطينة وأم دافوق، وصولاً إلى عنتيبي وجيبوتي.
وقد حذر الباحث السوداني أحمد سليمان من تحول الحرب إلى صراع إقليمي واسع النطاق، مؤكداً أنّ الحسم العسكري لا يستطيع وحده إنتاج تسوية مستدامة من دون مسار سياسي يعيد المدنيين والمؤسسات الوطنية إلى مركز العملية، في تحليل نشره تشاتام هاوس.
وولهذه الأهمية والحساسية، يهدف هذا المقال إلى تحليل خطر إعادة إنتاج دورة الميليشيات في السودان، ليس من خلال مساواة جميع التشكيلات المسلحة أو تجاهل اختلافاتها؛ ولكنْ عن طريق فحص قدرتها المتزايدة على العمل خارج بنية عسكرية موحدة. ولهذا سيتناول ثلاثة محاور رئيسة، وهي:
- خريطة تحالف الضرورة الذي يقوده الجيش وجذوره التاريخية.
- تحول الحدود مع ليبيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى إلى امتداد للحرب، مع قراءة الدور الأوغندي.
- ثم سيناريوهات العلاقة بين الجيش وحلفائه عندما يتراجع العدو المشترك.
تحالف الضرورة ودورة التسليح
في الواقع، لا تخوض القوات المسلحة السودانية الحرب بمفردها. فإلى جانب وحداتها النظامية، تبرز ثلاث كتل مسلحة رئيسة في المناطق الخاضعة لها، وهي: (1) القوة المشتركة للحركات المسلحة، (2) قوات درع السودان، و (3) كتيبة البراء بن مالك. وتمتلك هذه التشكيلات قياداتها وشبكات تجنيدها ومصادر شرعيتها المحلية، كما وسّعت أعدادها وقدراتها منذ اندلاع الحرب، وحصل بعضها على مدفعية وأسلحة مضادة للطائرات وطائرات مسيرة.
وتتكون القوة المشتركة للحركات المسلحة أساساً من فصائل دارفورية وقعت اتفاق جوبا للسلام، وفي مقدمتها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم. وقد التزمت بعض هذه الحركات الحياد في بداية الحرب، قبل أن تعلن في نوفمبر 2023 انضمامها إلى الجيش في مواجهة الدعم السريع. ويشغل قادتها مواقع رسمية مؤثرة؛ فمناوي حاكم إقليم دارفور، وإبراهيم وزير للمالية؛ لكن قواتهما لم تندمج اندماجاً كاملاً في القوات المسلحة، وما زالت تحتفظ بهياكلها وقياداتها وأجنداتها السياسية.
وتقوم العلاقة بين القوة المشتركة والجيش على تقاطع المصالح أكثر من قيامها على وحدة مؤسسية مكتملة. فالطرفان يواجهان الدعم السريع كعدوٍّ مشتركٍ، ولا سيما بعد المجازر والانتهاكات التي تعرضت لها مجتمعات دارفورية تنتمي إليها قواعد عدد من الحركات. غير أن هذا الاتفاق لا يحسم الخلافات المتعلقة بمستقبل اتفاق جوبا، وحكم دارفور، وتوزيع السلطة والثروة، وموقع قوات الحركات في المؤسسة العسكرية المقبلة.
وتتضاعف حساسية هذه العلاقة لأن القتال في الفاشر ودارفور وكردفان أعاد تشكيل الخريطة العسكرية والسياسية للغرب السوداني. وكانت أفريكا تريندز قد ناقشت هذه الأبعاد في مقالها عن حصار مدينة الفاشر في سياق الصراعات المعاصرة الذي كتبه الأستاذ حسن عبد الله محمد علي؛ حيث لم تكن المعركة مجرد مواجهة للسيطرة على مدينة، بل صراعاً على مركز الثقل السياسي والعسكري في دارفور وعلى طرق الربط بين غرب السودان ووسطه.
أما قوات درع السودان، فتجسد بصورة أوضح سيولة الولاءات التي صنعتها الحرب. يقودها أبو عاقلة كيكل، الذي انضم مع قواته إلى الدعم السريع وسيطر على أجزاء من ولاية الجزيرة، قبل أن ينشق عنه ويلتحق بالجيش في أكتوبر 2024. وقد ساعدت معرفة قواته بالمنطقة وشبكاتها المحلية في العمليات العسكرية التي أعادت أجزاء واسعة من الجزيرة إلى سيطرة الجيش؛ لكنها احتفظت بنفوذ ميداني واسع، ونقاط تفتيش وقوة مستقلة مرتبطة بقائدها.
وتزداد حساسية حالة كيكل بسبب الاتهامات الموجهة إلى قواته بارتكاب انتهاكات خلال وجودها في صفوف الدعم السريع، ثم خلال العمليات الانتقامية التي أعقبت انشقاقها. ويخشى ناشطون سودانيون منْ أنْ يؤدي استخدامه لموازنة نفوذ الحركات الدارفورية إلى إنشاء إقطاعية أمنية جديدة في وسط السودان.
وفي هذا السياق، ترى المحللة السودانية خلود خير أنّ قوات درع السودان تمثل أحد النماذج المرشحة لإعادة إنتاج مسار الدعم السريع، بسبب تركيز السلطة العسكرية والمحلية في يد قائد واحد لا يخضع لمساءلة مؤسسية واضحة.
وتأتي كتيبة البراء بن مالك باعتبارها أبرز التشكيلات الإسلامية المسلحة المتحالفة مع الجيش. وقد أدت دوراً مهماً في معارك الخرطوم وفك الحصار عن مواقع عسكرية، مستفيدة من خبرات وشبكات تشكلت خلال حكم عمر البشير. لكن صعودها أعاد فتح النقاش حول عودة الحركة الإسلامية إلى المجال العام من بوابة الحرب، كما وضع الجيش أمام ضغوط خارجية للحد من نفوذها.
وفي سبتمبر 2025، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على الكتيبة وعلى جبريل إبراهيم، متهمة إياهما بالمساهمة في إطالة الحرب وزعزعة الاستقرار. وفي يناير 2026، فرض مجلس الاتحاد الأوروبي عقوبات على شخصيات مرتبطة بالأطراف المتحاربة، في سياق تصاعد العنف والانتهاكات.
ولا تعمل هذه القوى داخل قيادة موحدة بالمعنى العسكري المهني الصارم؛ بل ضمن ائتلاف حرب تتفاوت فيه درجات التنسيق والخضوع. وتوجد إلى جانبها مجموعات تعبئة شعبية وقوات قبلية ومقاتلون منشقون عن الدعم السريع وتشكيلات محلية أصغر. ولذلك أصبح المشهد أقرب إلى حرب بين شبكات وتحالفات مسلحة منه إلى مواجهة تقليدية بين جيشين متماسكين.
ويشير تقييم أمني بريطاني محدث إلى أن الجيش والدعم السريع يعتمدان على مجموعات حليفة ذات دوافع وقيادات مختلفة، وأن أياً منهما لا يسيطر سيطرة كاملة على جميع القوات التي تقاتل إلى جانبه.
وقد أمر عبد الفتاح البرهان، بعد استعادة الخرطوم، بإخراج التشكيلات المسلحة من العاصمة وضبط حمل السلاح؛ لكن استمرار المقاتلين والعربات القتالية في الأسواق والطرق يكشف الفجوة بين إصدار القرار والقدرة على تنفيذه. فالدولة لا تستطيع بسهولة نزع سلاح قوات ما زالت تعتمد عليها في جبهات كردفان ودارفور، بينما تدرك هذه القوات أن أهميتها العسكرية تمنحها أوراق تفاوض سياسية واقتصادية.
كلما حقق الحليف المسلح مكاسب أكبر في الحرب، ارتفعت كلفة تفكيكه بعد الحرب؛ لأن القتال يمنحه شرعية وتضحيات ومناطق نفوذ وشبكات تمويل وقدرة أكبر على المطالبة بنصيب من السلطة والموارد.
وإذا لم تُحدد قواعد الدمج والتسريح منذ الآن، فقد تتحول عملية السلام المقبلة إلى سوق لتوزيع المكافآت على من يملك السلاح، بدلاً من أن تكون طريقاً لاستعادة سلطة الدولة.
وتتداخل هذه المشكلة مع توسع اقتصاد الحرب، الذي لم يعد قائماً على تمويل العمليات العسكرية فقط؛ بل أصبح شبكة معيشية وتجارية واجتماعية تعيد ترتيب الأسواق والعمل والنقل والتهريب. وقد تناولت أفريكا تريندز هذا الجانب في تقريرها عن اقتصاد الحرب في السودان وكيف يعيد الناس تشكيل سبل العيش بلا دخل ثابت. فكلما ترسخت المصالح الاقتصادية المرتبطة بالسلاح، ازدادت صعوبة الفصل بين إنهاء القتال وتفكيك البنية التي تعيش عليه.
ولا يعني ذلك أن كل تشكيل مساند للجيش سيصبح نسخة أخرى من الدعم السريع. فالحركات الموقعة على اتفاقات سلام تختلف قانونياً وسياسياً عن القوات المنشقة أو الكتائب العقائدية، كما أنّ دوافع المجتمعات التي حملت السلاح للدفاع عن نفسها لا يمكن مساواتها بمشروعات التوسع العسكري. لكن بقاء هذه الاختلافات خارج إطار وطني موحد لا يقلل الخطر؛ بل قد يزيده، لأن كل طرف سيطالب بمعاملة خاصة وبالاحتفاظ بسلاحه إلى أن يحصل على ضماناته السياسية والأمنية.
الحدود التي توسّع الحرب
أصبحت حرب السودان جزءاً من شبكة إقليمية تتجاوز حركة اللاجئين إلى انتقال السلاح والمقاتلين والوقود والتمويل والطائرات المسيرة. ولم تعد الحدود خطوطاً تفصل الحرب عن الجوار؛ بل ممرات تعيد تغذيتها. وفي هذا السياق، تؤدي ليبيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى وأوغندا أدواراً مختلفة؛ بعضها لوجستي وأمني، وبعضها إنساني أو دبلوماسي، لكنها جميعاً تتأثر بمسار الحرب وتؤثر فيه.
ليبيا وممرات الصحراء
يمثل جنوب ليبيا أحد أهم الشرايين الغربية للحرب. فقد وثقت تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بليبيا استخدام الأراضي الليبية في الحركة اللوجستية ونقل المقاتلين والوقود والمعدات عبر الجنوب الليبي باتجاه السودان، ضمن بيئة أمنية تتعدد فيها مراكز السيطرة وتضعف فيها رقابة الدولة على الحدود.
ولا تكمن أهمية ليبيا في شحنات السلاح وحدها، بل في الجغرافيا المفتوحة التي تربط الكفرة بالمثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر، وبشبكات التهريب الممتدة إلى دارفور وتشاد والساحل. وقد سمح ضعف الرقابة وتعدد القوى المسيطرة في جنوب ليبيا بتحويل المنطقة إلى مساحة خلفية لإعادة الإمداد والحركة، بما يجعل أي تسوية سودانية غير مصحوبة بتفاهم أمني مع الأطراف الليبية عرضة للاختراق.
كما أن استمرار هذه الممرات يهدد ليبيا نفسها؛ إذْ يرسخ اقتصاداً عابراً للحدود يعتمد على تهريب السلاح والوقود والبشر والذهب، ويمنح التشكيلات المحلية موارد ونفوذاً يتجاوزان سلطة الدولة. وبذلك لا تغذي الفوضى الليبية الحرب السودانية فحسب، بل تعيد الحرب السودانية بدورها إنتاج هشاشة الجنوب الليبي.
ويمتد هذا السياق إلى حضور القوى العسكرية الأجنبية وشبكات الشركات الأمنية في وسط إفريقيا والساحل. ويمكن قراءة جانب من هذه البيئة في تقرير أفريكا تريندز “في قلب نظام فاغنر من دوالا إلى بانغي“، الذي ناقش تشكل شبكات عسكرية واقتصادية تتجاوز حدود الدول وتستفيد من ضعف المؤسسات الرسمية.
تشاد بين الحياد وضغط الحدود
تتحمل تشاد إحدى أكبر الكلف الإنسانية والأمنية للحرب، بسبب امتداد حدودها مع دارفور واستقبالها أعداداً كبيرة من اللاجئين. لكن موقعها لم يعد يقتصر على استقبال الفارين؛ فقد أصبحت أراضيها ومطاراتها وطرقها موضع اتهامات متبادلة بشأن مرور الإمدادات إلى قوات الدعم السريع، فيما تنفي أنجمينا انحيازها العسكري وتؤكد تمسكها بالحياد وحماية حدودها.
ففي فبراير 2026، أغلقت تشاد حدودها الشرقية مع السودان بعد اشتباكات مرتبطة بالحرب في منطقة الطينة التي أسفرت عن مقتل جنود ومدنيين تشاديين. وقالت الحكومة إن القرار جاء بعد تكرار التوغلات والانتهاكات التي ترتكبها القوى المتحاربة داخل السودان، ونشرت قوات إضافية لمنع انتقال القتال وحماية السكان واللاجئين، وفق ما أوردته وكالة رويترز.
إذْ كشفت حادثة الطينة صعوبة الفصل بين دارفور وشرق تشاد. فالقبائل والعائلات ومسارات الرعي والتجارة تتجاوز الحدود المرسومة، كما تتداخل الانقسامات داخل دارفور مع التوازنات الاجتماعية والعسكرية في تشاد. فأيّ اتساع للعنف القائم على الهوية قد ينتقل عبر المجتمعات الحدودية، ويضع أنجمينا أمام ضغوط متناقضة بين حماية استقرارها الداخلي والمحافظة على علاقاتها مع القوى الإقليمية المؤثرة في الحرب.
وتزداد خطورة هذه الضغوط لأن تشاد تواجه في الوقت نفسه تهديدات قادمة من بحيرة تشاد، وهشاشة الجنوب الليبي، وأزمات اقتصادية واجتماعية داخلية. وقد ناقشت أفريكا تريندز هذا التراكب في تقديرها حول هجوم بوكو حرام على الجيش التشادي والضغوط الأمنية المحيطة بأنجمّينا؛ إذْ لم تعد تشاد تواجه جبهة واحدة، بل أصبحت منطقة امتصاص لصدمات أزمات متصلة تمتد من السودان إلى الساحل والصحراء.
لذلك لا يكفي إعلان الحياد التشادي ما لم يترافق مع شفافية أكبر في مراقبة المطارات والمعابر والرحلات الجوية، وآلية مشتركة للتحقيق في الانتهاكات الحدودية. فالغموض يحول تشاد من دولة جوار متضررة إلى ساحة اتهام، ويضعف قدرتها على أداء دور وساطة موثوق.
أم دافوق وإنذار جمهورية إفريقيا الوسطى
جاءت أحداث أم دافوق لتوضح أنّ الجبهة الجنوبية الغربية للحرب لم تعد هامشية في المعادلة الإقليمية لحرب السودان. ففي 30 يونيو 2026، هاجمت عناصر مرتبطة بجماعات مسلحة من جمهورية إفريقيا الوسطى، إلى جانب مسلحين آخرين، بلدة أم دافوق الواقعة داخل أراضي جمهورية إفريقيا الوسطى قرب الحدود السودانية. وشملت المواجهات إطلاق النار على قاعدة مؤقتة لبعثة الأمم المتحدة، قبل أن تستعيد القوات المسلحة لجمهورية إفريقيا الوسطى وحلفاؤها السيطرة على المنطقة، بحسب بيان بعثة الأمم المتحدة في جمهورية إفريقيا الوسطى.
ولجأ آلاف السكان إلى محيط قاعدة البعثة الأممية، فيما تعرض المرفق الصحي في البلدة للنهب، وأعاقت الأمطار والطرق غير الصالحة وصول المساعدات. كما فر سكان من القرى المحيطة إلى مدينة بيراو، التي تستضيف بالفعل أعداداً من اللاجئين القادمين من السودان، وفق تحديثات الأمم المتحدة.
ولا توجد أدلة منشورة تسمح بنسبة الهجوم مباشرة إلى الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع رغم تبادل التهم والإشاعات حول ذلك. غير أن موقع أم دافوق عند بوابة جنوب دارفور، ووجود جماعات مسلحة وشبكات قبلية وتجارية عابرة للحدود، يجعلان المنطقة قابلة لاستقبال آثار النزاع السوداني وإعادة إنتاجها داخل جمهورية إفريقيا الوسطى.
وتوضح حادثة أم دافوق أن تداعيات الحرب لا تنتقل بالضرورة من السودان إلى الجوار بصورة مباشرة وبسيطة؛ بل تتفاعل مع نزاعات محلية قائمة، وضعف مؤسسات الدولة، ومصالح الجماعات المسلحة، وشبكات التجارة غير النظامية. ولذلك قد لا تتحول إجمهورية فريقيا الوسطى إلى جبهة جديدة للحرب السودانية بالمعنى التقليدي؛ لكنها قد تصبح جزءاً من حزام أمني واحد يمتد من دارفور إلى فاكاغا، تتداخل فيه صراعات الأرض، وتنقلات الماشية، وتنقيب الذهب، وتشعب طرق التجارة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ظل التحديات التي تواجه بانغي في بسط سلطة الدولة خارج المراكز الرئيسة، وهي إشكالية ناقشتها أفريكا تريندز في مقالها عن انتخابات جمهورية إفريقيا الوسطى 2025 بين ترسيخ الشرعية وتحديات الاستقرار المؤسسي. فالانتخابات والشرعية المركزية لا تكفيان وحدهما إذا بقيت الأطراف الحدودية عرضة لتنازع القوى المسلحة والاقتصادات العابرة للحدود.
لا تشترك أوغندا بحدود مباشرة مع السودان؛ لكنها تحتل موقعاً مهماً في الدبلوماسية الإقليمية وفي شبكة شرق إفريقيا السياسية والأمنية. ففي فبراير 2026، استقبل الرئيس يوري موسيفيني نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، الذي قدم إحاطة حول التطورات الأمنية والسياسية وجهود استعادة الاستقرار. وبعد ذلك استقبل موسيفيني قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو في عنتيبي، ودعا إلى الحوار ورفض الاعتقاد بأن الحل العسكري قادر وحده على إنهاء الحرب.
ويمكن مراجعة الموقف الأوغندي في بيانات الرئاسة المتعلقة بلقاء مالك عقار ولقاء محمد حمدان دقلو. حيث تمنح هذه القنوات المفتوحة أوغندا قدرة على الاتصال بالطرفين؛ لكنها تثير أيضاً حساسيات كبيرة. فالجيش السوداني سبق أن نظر بريبة إلى منح الدعم السريع مساحات دبلوماسية في شرق إفريقيا، كما علّق السودان مشاركته في الهيئة الحكومية للتنمية «إيغاد» عام 2024، بعد خلافات مرتبطة بطريقة إدارة المنظمة للملف السوداني.
وفي فبراير 2026، أعلن السودان استئناف مشاركته الكاملة في «إيغاد»، وهو ما رحبت به المنظمة باعتباره فرصة لتعزيز التضامن الإقليمي والعمل من أجل تسوية سلمية، وفق بيان أمانة إيغاد.
غير أن عودة السودان لا تلغي أزمة الثقة التي أصابت مسارات الوساطة. ولذلك ينبغي ألا تتحول دبلوماسية المسارين الأوغندية إلى مساواة سياسية غير مشروطة بين الدولة والتشكيلات المسلحة، ولا إلى منصة تمنح أي طرف شرعية بلا التزامات. ويمكن لأوغندا أن تؤدي دوراً مفيداً إذا ربطت لقاءاتها بوقف الهجمات على المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، والدخول في تفاوض واضح حول الجيش الواحد والتسريح، ضمن تفويض إفريقي جماعي لا في إطار وساطة شخصية مفتوحة.
من خلال ما سبق، توضّح الحالات الست أعلاه أنّ البيئة الإقليمية المحيطة بالسودان لا تتحرك في اتجاه واحد؛ فليبيا تمثل ممراً لوجستياً منقسماً، وتشاد دولة حدودية تواجه ضغوطاً إنسانية وأمنية، وجمهورية إفريقيا الوسطى ساحة هشّة تستقبل ارتدادات دارفور، بينما تجمع إثيوبيا بين استقبال اللاجئين والاتهامات المرتبطة بجبهة النيل الأزرق والطائرات المسيّرة، وتربط إريتريا شرق السودان بتوترات تيغراي والتنافس على البحر الأحمر، في حين تسعى أوغندا إلى بناء موقع دبلوماسي بين أطراف الحرب.
لكن غياب التنسيق بين هذه الأدوار يتيح لكل قوة مسلحة البحث عن ممر أو حليف أو منصة بديلة، ويجعل الحرب أكثر قدرة على التجدد والانتقال بين الساحات.
ما بعد العدو المشترك
يبقى تحالف الجيش مع القوى المسلحة متماسكاً ما دام الدعم السريع يمثل خطراً وجودياً مشتركاً. لكن تراجع هذا الخطر، أو انحسار قوات الدعم السريع في نطاق جغرافي أضيق، سيُظهر الخلافات المؤجلة حول السلطة والأرض والموارد والمناصب والترتيبات الأمنية.
قد يتجه السودان أولاً إلى نظام أمني هجين، يظل فيه الجيش القوة الرسمية الأولى، بينما تحتفظ الحركات والقوات المساندة بقياداتها وانتشارها وأسلحتها مقابل ولاء عام للدولة. ويبدو هذا المسار الأسهل في الأجل القريب؛ لأنه يتجنب صداماً مباشراً مع الحلفاء؛ لكنه يُعزز تعدد الجيوش ويجعل السيادة موزعة بين المركز والقادة المحليين.
أما المسار الثاني، فهو دمج تدريجي ومنظم يبدأ بحصر المقاتلين والأسلحة، وتوحيد كشوف الرواتب، وتجميع القوات في معسكرات محددة، وسحب الأسلحة الثقيلة، ثم فحص الأفراد ودمج المؤهلين في الجيش والشرطة وتسريح الآخرين. غير أن الدمج ليس عملية إدارية محايدة؛ فهو يحدد من يحتفظ بالرتبة والنفوذ والدخل، ومن يواجه المحاسبة، ومن يعود إلى مجتمع دمرته الحرب بلا مورد اقتصادي.
ويتمثل المسار الثالث، وهو الأخطر، في تفكك التحالف وتحوله إلى مواجهات بين الحلفاء. وقد يبدأ النزاع باشتباك على نقطة تفتيش أو طريق أو أرض أو منجم، ثم يتسع بفعل التعبئة القبلية والسياسية. وتزداد احتمالاته إذا حاول الجيش نزع سلاح مجموعة دون غيرها، أو استخدم تشكيلات معينة لموازنة تشكيلات أخرى، أو جرى توزيع المناصب والموارد بطريقة تراها بعض القوى غير عادلة.
ولا يُعدّ هذا الاحتمال مجرد تنبؤ متشائم. فالدعم السريع نفسه نشأ داخل سياسة الموازنة بين القوى المسلحة، حين استخدمه النظام لمواجهة التمردات ولموازنة الجيش وأجهزة الأمن. وما ينبغي تجنبه اليوم ليس ظهور قائد واحد جديد يشبه حميدتي فقط، بل نشوء عدة قادة يمتلك كل منهم جزءاً من مقومات القوة التي راكمها: قاعدة بشرية، وموارد، وسلاح ثقيل، وأرض، وعلاقات خارجية، وطموح سياسي.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن اختزال المشكلة في نيات القادة. فالمجتمعات التي تعرضت للهجمات والتهجير قد تنظر إلى قواتها المحلية بوصفها ضمانتها الأخيرة في غياب جيش وشرطة محايدين. وإذا طُلب منها تسليم السلاح من دون ترتيبات موثوقة لحمايتها، فستتعامل مع نزع السلاح باعتباره دعوة إلى الانكشاف، لا خطوة نحو السلام.
وهنا يرتبط إصلاح القطاع الأمني بشكل الدولة نفسها. فلا يمكن بناء جيش موحد مع الإبقاء على مظالم المناطق، ونظام الحكم المركزي غير المتوازن، واقتصاد الحرب، والتمييز في التجنيد والترقي. كما لا يمكن دمج عشرات الآلاف في القوات النظامية من دون إعادة تعريف حجم الجيش ومهامه وعقيدته وموارده، وإلا تحول «الدمج» إلى توسع جديد في مؤسسة عسكرية مثقلة بالولاءات المتنافسة.
خاتمة
لا يمكن معالجة دورة الميليشيات في السودان بقرار يصدر بعد انتهاء الحرب؛ لأن شروط الحرب المقبلة تتكون أثناء الحرب الحالية. وكل شهر يمر من دون تسجيل القوات المساندة وتحديد قياداتها وأسلحتها ومصادر تمويلها ومناطق انتشارها يزيد قدرتها على فرض شروطها مستقبلاً.
وتتمثل الإشكالية الأساسية في أنّ الجيش يحتاج إلى حلفائه لكي يواصل القتال؛ لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى منعهم من التحول إلى قوى دائمة تنازعه احتكار السلاح والقرار. أما الحلفاء، فيرون أن مشاركتهم وتضحياتهم تمنحهم حقاً في السلطة والموارد والضمانات الأمنية. وبين الحاجتين تتشكل معضلة يصعب حلها بالأوامر العسكرية وحدها.
وقد هدف المقال إلى بيان أن خطر الميليشيات لا يبدأ عندما تتمرد على الدولة؛ بل عندما تصبح الدولة غير قادرة على العمل من دونها. ومن ثم، فإنّ الانتصار على الدعم السريع، مهما كانت أهميته العسكرية، لن يكون كافياً إذا انتهت الحرب بجيش رسمي تحيط به قوات متعددة تحتفظ بقياداتها وسلاحها واقتصاداتها ومناطق نفوذها.
وتبدأ المعالجة الواقعية بإدراج جميع التشكيلات المسلحة، وليس الجيش والدعم السريع وحدهما، في أيّ تفاوض حول وقف النار والترتيبات الأمنية. فالاتفاق الثنائي قد يوقف المعارك بين القوتين الأكبر؛ لكنه يترك فاعلين مسلحين قادرين على تعطيله أو وراثة مناطق الصراع.
ويحتاج السودان إلى ميثاق وطني للأمن والدفاع يحدد بوضوح أنّ الجيش مؤسسة واحدة، وأن الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة لا يمكن أن تبقى تحت قيادة حزبية أو قبلية أو شخصية. وينبغي أن يسبق الدمجَ حصر مستقل للمقاتلين والسلاح ومصادر التمويل، يتبعه تجميع مرحلي للقوات وفحص مهني وقانوني للأفراد، ثم دمج محدود وتسريح وإعادة تأهيل اقتصادي للآخرين.
ولا يجوز أن تتحول هذه العملية إلى حصانة جماعية من المساءلة، أو إلى مكافأة تلقائية لمن امتلك أكبر عدد من المقاتلين. لذلك يجب الفصل بين حق المقاتل المؤهل في الاندماج المهني، ومسؤولية القادة والأفراد المتهمين بارتكاب انتهاكات، مع إنشاء آليات تحقيق وعدالة لا تخضع لقيادات القوى المتحاربة.
وعلى المستوى الإقليمي، تبرز الحاجة إلى آلية حدودية تضم السودان وليبيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقي و«إيغاد» والأمم المتحدة. وينبغي أن تراقب هذه الآلية المعابر والمطارات والرحلات غير المعلنة وحركة المرتزقة والأسلحة والذهب والوقود، وأن تصدر تقارير دورية قابلة للتحقق. أما أوغندا، فيمكن أن تسهم في المسار السياسي بشرط ربط التواصل مع الأطراف بالتزامات محددة، لا الاكتفاء بصور اللقاءات ودعوات الحوار العامة.
كذلك، يجب ألا تنتظر استعادة الدولة اكتمال التسوية الكبرى. فعودة الشرطة والقضاء والإدارة المدنية إلى الخرطوم والجزيرة والمناطق المستعادة، وإزالة الحواجز غير النظامية، ومنع حمل السلاح في الأسواق، خطوات مبكرة لفصل الحماية العامة عن سلطة التشكيلات المسلحة. فالمواطن الذي لا يجد شرطياً أو قاضياً سيظل مضطراً إلى التعامل مع أقرب رجل مسلح بوصفه الدولة الفعلية.
ومع ذلك، تبقى أسئلة صعبة لا يمكن إخفاؤها خلف الخطط الفنية، مثل:
- من يستطيع إجبار الحلفاء على تسليم أسلحتهم قبل اكتمال التسوية السياسية؟
- من سيحمي مجتمعات دارفور وكردفان والجزيرة إذا انسحبت قواتها المحلية؟
- كيف يمكن منع برامج الدمج من مكافأة مرتكبي الانتهاكات، من دون دفع آلاف المقاتلين إلى التمرد أو الجريمة؟
- هل يقبل الجيش نفسه بإصلاح يضعه تحت رقابة مدنية ويمنع إنشاء قوات موازية مستقبلاً؟
- هل تتخلى القوى الإقليمية عن استخدام الحدود والجماعات المسلحة أدواتٍ للنفوذ؟
لا تتوفر إجابات سهلة لهذه الأسئلة في الوقت الراهن؛ لكنها أكثر واقعية من الاعتقاد بأن انتصاراً عسكرياً سيعيد الدولة تلقائياً. فقد تنتهي الحرب بين الجيش والدعم السريع، بينما تستمر في صورة اشتباكات محلية وصراعات على الأرض والذهب والطرق والسلطة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للسودان ليس أن يخرج من حربه بلا منتصر واضح، بل أن يخرج منها بعدد أكبر من الجيوش.
ولن يبدأ السلام الحقيقي عندما تصمت مدافع الجيش والدعم السريع وحدها؛ بل عندما يفقد السلاح وظيفته بوصفه الطريق الأقصر إلى السلطة والثروة والحماية.
وفي نهاية المطاف، ذكر أن قراءتنا للمشهد السوداني في هذه المرحلة تمحورت حول ثلاث قضايا متداخلة، ألا وهي: تحالف الضرورة بين الجيش والقوى المسلحة ومخاطر إعادة إنتاج تجربة الدعم السريع؛ وتحول ليبيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى وأوغندا إلى دوائر مؤثرة في امتداد الحرب وتسويتها؛ ثم خيارات دمج القوات ونزع السلاح واستعادة الدولة بعد تراجع العدو المشترك.
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



























