لم يكن الإعلان الذي أطلقه الرئيس باسيرو ديوماي فاي في داكار، مساء السبت 25 يوليو 2026 عن تأسيس حزب كييراي، مجرد ميلاد تنظيم سياسي جديد يُضاف إلى خريطة حزبية مزدحمة أصلاً؛ بل بدا أقرب إلى إعلان دخول علاقته بحليفه السابق عثمان سونكو مرحلة مغايرة تماماً، تتجاوز حدود التباين داخل أروقة الحكم إلى إعادة بناء مراكز النفوذ والتنظيم من الأساس.
ففي تلك الليلة، وأمام حشد من أنصاره، أعلن فاي تأسيس حزب كييراي “الوطنيون الجمهوريون“، بعدما حوّل ائتلاف “ديوماي رئيساً” الذي حمله إلى القصر الرئاسي في انتخابات 2024 إلى تنظيم سياسي موحّد يتولى قيادته بنفسه. ويحمل اسم الحزب، المستمد من اللغة الولوفية بمعنى “ما يحمي” أو “الدرع”، دلالة رمزية تتصل بحماية الجمهورية ومؤسساتها ومواطنيها، فيما اختار الحزب شعار “الوطن أولاً” معلناً انفتاحه أمام كل من يؤمن بهذه القيم.
وجاء هذا الإعلان تتويجاً لعملية تنظيمية أشرفت عليها شخصيات بارزة في محيط الرئيس، في مقدمتها رئيسة الوزراء السابقة أميناتا توري، وأسفرت، بحسب قيادة الحزب، عن انضمام مئات الأحزاب والحركات والجمعيات، إلى جانب عدد كبير من المنتخبين المحليين.
ويستعد التنظيم الوليد لإطلاق جولة وطنية لبناء هياكله في مختلف الأقاليم، تمهيداً لمؤتمر عام يثبّت قواعده استعداداً للاستحقاقات المقبلة. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في حجم المنضمين إليه بقدر ما يكمن في قدرة حزب كييراي على أنْ يتحول من مظلة انتخابية عريضة إلى تنظيم متماسك، له هويته وبرنامجه وقاعدته المستقلة عن أي طرف آخر.
وتزداد أهمية هذا التحول حين يوضع في سياق المسار الذي تابعته أفريكا تريندز خطوة بخطوة في تغطيتها للشأن السنغالي؛ من صعود سونكو كمركز للمعارضة والتعبئة الشعبية، إلى تشكّل التحالف الذي أوصل فاي إلى الرئاسة، مروراً بالتمايز المتصاعد بين شرعية دستورية يجسدها الرئيس، وشرعية حزبية-شعبية ظل سونكو متمسكاً بها، وصولاً إلى ما رصدته المنصة من تدافع بين مؤسسات الحكم، وإعادة تموضع سونكو بين الدولة والحزب والشارع.
فحزب كييراي حديث الولادة، في ضوء هذا المسار المتراكم، لا يطرح سؤالاً عابراً حول ما إذا كان امتداداً طبيعياً لائتلاف “ديوماي رئيساً”؛ بل يفتح سؤالاً أعمق حول ما إذا كان يمثل بداية انفصال حزبي فعلي يعيد توزيع موازين القوة بين الرئاسة و”باستيف” والبرلمان والسلطات المحلية.
فمن هذا المنطلق، يتتبع هذا المقال خلفيات تأسيس حزب كييراي وبنيته السياسية، ومسار انتقال فاي من التحالف الانتخابي إلى التنظيم المستقل، قبل أن يحلل أثر ذلك في علاقته بسونكو وفي توازنات الحكم داخل السنغال، وصولاً إلى الاختبارات التنظيمية والانتخابية التي ستحدد ما إذا كان هذا الحزب مرشحاً لأن يتحول إلى قوة سياسية دائمة، أم سيبقى إطاراً مرتبطاً بمصير مؤسسه في رئاسة الجمهورية.
من ائتلاف انتخابي إلى تأسيس حزب كييراي
لم يُولد حزب كييراي من فراغ؛ بل جاء ثمرة مسار تنظيمي بدأ فعلياً في 4 يوليو 2026، حين أعلن فاي عزمه تأسيس تنظيم مستقل عن “باستيف”، مكلفاً أميناتا توري بالإشراف على لجنة التأسيس. إلا أنّ جذور هذا المسار تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك: فقد قامت شراكة فاي وسونكو أصلاً على ائتلاف “ديوماي رئيساً” الذي حمل فاي إلى الفوز بأكثر من 54% من الأصوات في انتخابات مارس 2024، بعد أن مُنع سونكو نفسه من الترشح بسبب إدانة قضائية.
وفي نوفمبر 2025، كان وزير الثقافة السابق ومندوب حملة فاي الانتخابية لرئاسيات 2025، أمادو با، قد كشف عن جانب مهم من كواليس الترشح، حين صرح قائلاً: “لقد كان حزب باستيف في بداية ونهاية كل الترشيح. هناك الكثير جداً من الأكاذيب والتلاعب”. هذا التصريح، الصادر في خضم الأزمة من شخص كان في مطبخ عملية الترشيح وكبار طُهاتها، أشار مبكراً إلى أن الرواية الرسمية للشراكة كانت تخفي توترات أعمق من ما ظهر في السطح بكثير.
وظلت العلاقة بين الرجلين، طوال العامين الأولين من الحكم، محكومة بمنطق الشراكة الظاهرة، إلى أن كشفت الخلافات حول إدارة الدين العام والملفات الاقتصادية عن تصدع متصاعد، بلغ ذروته بإقالة سونكو من رئاسة الحكومة في 23 مايو 2026.
وما بين تلك الإقالة وإعلان تأسيس الحزب في 25 يوليو، لم يكن التحول مفاجئاً بقدر ما كان استكمالاً لمسار كانت أفريكا تريندز قد رصدت ملامحه الأولى منذ مايو الماضي، حين حاول فاي، في مقابلته التلفزيونية الكبرى، تثبيت “منطق الدولة” ونفي وجود أي أزمة مؤسسية مع رئيس وزرائه.

لماذا يترأّس فاي حزبه بنفسه؟
تكمن إحدى أدق نقاط الجدل حول حزب كييراي في قرار فاي تولي رئاسته بنفسه، وهو خيار يحمل مفارقة مؤسسية واضحة ومثيرة. فبينما ظل الفصل بين رئاسة الجمهورية وقيادة الحزب الحاكم مبدأً متداولاً في النقاش السنغالي؛ بل ومطروحاً كأحد الإصلاحات التي يدفع باتجاهها معسكر سونكو ضمن التعديلات الدستورية الأخيرة، اختار فاي أنْ يجمع بين الموقعين معاً في التجربة السياسية الجديدة.
وكان رئيس حزب VISA، ديتشي جوف، الذي لعب حزبه دوراً محورياً في تمكين ترشح فاي بعد حل “باستيف” وقتها وذلك بتقديم رخصته، قد لخص هذه المعضلة مبكراً في نوفمبر 2025 بقوله: “لا يمكن احتجاز الرئيس كرهينة أو ممارسة الضغط عليه. فالرئيس الأعلى هو باسيرو ديوماي فاي، وهو منتخب من الشعب السنغالي”. فتأسيس حزب “كييراي” اليوم يمكن قراءته كتتويج لهذا المنطق؛ حيث لم يعد الرئيس يقبل أن يكون “رهينة” لحزب لم يؤسسه، فأسس حزبه الخاص.
ويكشف هذا الخيار عن رغبة رئاسية في امتلاك أداة سياسية مباشرة، غير مقيّدة بموازين داخلية لحزب لم يؤسسه بنفسه، أكثر مما يعكس التزاماً بمبدأ الفصل بين وظيفتي الدولة والحزب الذي طالما قُدّم كضمانة لاستقرار النظام شبه الرئاسي في السنغال.
وبين الخطاب الذي رفع شعار “لا استئثار بالمناصب” في حفل الإطلاق، والممارسة التي جمعت القمتين في يد واحدة، يبدو حزب كييراي بمثابة اختبار مبكر لمدى قدرة الرئاسة على ضبط هذا التوتر بين الخطاب المؤسسي والممارسة الفعلية للسلطة.
وقبل أن يبلغ هذا التوتر ذروته التنظيمية بتأسيس حزب كييراي، كشف ملف “الصناديق السياسية” مبكراً عن طبيعة الشرخ داخل التحالف الحاكم. ففي مقابلته الكبرى في 2 مايو 2026، دافع فاي عن هذه الصناديق بوصفها أداة ضرورية لتمويل عمليات استخباراتية حساسة ومساعدات اجتماعية طارئة، مؤكداً أنّ المراقبة يجب ألا تكون قيداً، بينما كان سونكو يدفع باتجاه تأطيرها بآليات تحقق واضحة.
والمثير، أنّ مقترح قانون بهذا الشأن كان جاهزاً فعلاً للإيداع من كتلة حزبباستيف البرلمانية في 23 مارس 2026، قبل أنْ يطلب سونكو نفسه تأجيله، ثم يقرّ لاحقاً بإدارته صندوقاً مماثلاً بقيمة مليار و770 مليون فرنك سيفا في رئاسة الوزراء، وهو ما نقل الملف من خلاف حول مبدأ الشفافية إلى أداة ضغط في صراع الشرعيات بين الرجلين.
وهذا بالضبط، المنطق الذي بدا فاي يثبّته حين أكد أنّ “الوزير الأول يستمد موقعه من ثقتي وبمرسومي”؛ فتأسيس حزب كييراي اليوم يمكن، (استنباطات خاصة وليست معلومات)، قراءته كتتويج مؤسسي لهذا المنطق؛ حيث الرئيس لم يعد يقبل أنْ تُفرض عليه شروط الإصلاح عبر الإملاء العلني، فبنى بدلاً من ذلك كيانه السياسي المستقل.
ازدواجية الشرعية بين الرئاسة والحزب الحاكم
إنّ تأسيس حزب كييراي يضع السنغال أمام معادلة سياسية غير مسبوقة، تتمثل في تجاور مركزين للشرعية داخل السلطة التنفيذية والتشريعية معاً. فمن جهة، يملك فاي الآن الشرعية الدستورية لرئاسة الدولة، مدعومة بحزب رئاسي ناشئ تقول قيادته إنه استقطب أكثر من 430 تنظيماً وحركة وحوالى 340 عمدة بلدية، وهي أرقام صادرة عن منظمي الحزب أنفسهم ولم تخضع بعد لأيّ تحقق مستقل. ومن جهة أخرى، لا يزال سونكو يحتفظ بأغلبية برلمانية مريحة داخل “باستيف” تبلغ 130 مقعداً من أصل 165، إلى جانب شرعية حزبية وشعبية تشكلت قبل الوصول إلى السلطة ولا تزال حاضرة في الشارع، على نحو ما أوضحته أفريكا تريندز في قراءتها لموقع سونكو بين الدولة والحزب والشارع.
ولعل أوضح تعبير عن طبيعة هذه الازدواجية ما صرح به النائب غوي ماري سانيا، المقرب من سونكو، في أغسطس 2025، حين وصف المشهد بأن السنغال تحكمها ‘شرعية مزدوجة’: رئيس ‘قانوني’ يتمثل في فاي، ورئيس ‘شرعي’ يتمثل في سونكو. حيث لم يكن هذا التصريح زلة لسان بقدر ما هو اعترافاً صريحاً من داخل المعسكر الحاكم بأنّ ثمة مركزين للقوة يتنازعان المشروعية.
وتزيد من تعقيد هذه الازدواجية نقطة لم تُحسم بعد بشكل رسمي بعد؛ فحتى لحظة إعلان حزب كييراي، لم يصدر عن فاي أي إعلان صريح بالاستقالة من “باستيف”، ولم تصدر عن الحزب الأم أيّ خطوة رسمية لفصله، وهو ما يجعل الحديث اليوم عن انفصال سياسي وعملي أدق من الحديث عن قطيعة تنظيمية وقانونية مكتملة الأركان.
قراءة رباعية الابعاد لحدث واحد
تباينت زاوية التعاطي مع تأسيس حزب كييراي بين التغطيات السنغالية المحلية والتغطيات الدولية، وإن ظل الاختلاف بينهما في زاوية التأطير أكثر منه في جوهر الوقائع.
فقد ركزت المنصات المحلية (معظمها باللغة الولوفية) على الدلالة الرمزية لاسم الحزب ومعناه الولوفي، وعلى خطاب فاي حول الأخلاق والشفافية وخدمة الجمهورية، وعلى الأرقام المعلنة لحجم التنظيمات والبلديات المنضمة.
وفي المقابل، قرأتْ وكالات الأنباء والصحف الدولية الحدث أساساً بصفته تكريساً لانفصال فاي عن سونكو، وبداية مواجهة سياسية مقبلة على خلفية أزمة ديون عامة يقدّرها صندوق النقد الدولي بنحو 132% من الناتج المحلي الإجمالي.
هذا التباين في التأطير لا ينبغي أن يُقرأ كتناقض في الوقائع بقدر ما هو تعبير عن أولويات كل جمهور؛ حيث يبحث القارئ السنغالي عن المعنى الأخلاقي والرمزي للحظة التأسيسية، ويبحث المراقب الدولي عن موقع السنغال المقبل ضمن خريطة الاستقرار السياسي في غرب إفريقيا.
وإلى جانب هاتين القراءتين، تُظهر الزاوية الإفريقية الإقليمية، وفي مقدمتها أفريكا تريندز، معياراً ثالثاً لا يتقاطع بالضرورة مع الأول ولا الثاني؛ فمكانة السنغال بصفتها أحد النماذج القليلة المتبقية للاستقرار الديمقراطي المدني في غرب إفريقيا، في محيط إقليمي شهد خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
وإلى جانب هذه القراءات الثلاث، ثمة بُعْدٌ رابع يستحق التوقف عنده قليلا، وهو قراءة تأسيس حزب “كييراي” في ضوء نظرية “الشرعية المؤسسية” التي صاغها عالم الاجتماع ماكس فيبر. فمن هذا المنظور، يُعدّ تأسيس الحزب تتويجاً لصراع كلاسيكي بين “الشرعية الكاريزمية” التي جسدها سونكو كقائد ملهم للحركة، و”الشرعية المؤسسية” التي يسعى فاي إلى ترسيخها كرئيس دولة.
فحزب كييراي ليس مجرد حزب جديد فحسب؛ بل هو محاولة لترجمة الشرعية الدستورية إلى كيان تنظيمي دائم، في مواجهة شرعية كاريزمية ما تزال حاضرة في الشارع والبرلمان.
فمن هذا المنظور، لا يُقرأ تأسيس حزب كييراي كحدث حزبي داخلي فحسب؛ بل كاختبار لقدرة المؤسسات المدنية السنغالية على استيعاب صراع نفوذ حاد بين رئيس ورئيس وزراء سابق دون أن ينزلق إلى الشارع أو يفتح الباب أمام تدخل خارج الأطر الدستورية، وهو ما يمنح التجربة السنغالية وزناً رمزياً يتجاوز حدودها في عيون المراقبين الأفارقة.
كما تلتفت هذه القراءة إلى بُعد إضافي غالباً ما يغيب عن التغطيتين المحلية والدولية على حد سواء، وهو أثر هذا الانقسام على موقع السنغال داخل الأطر الإقليمية نفسها، من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا إلى الاتحاد الاقتصادي والنقدي الإقليمي، في وقت لا تزال فيه المنطقة تعيد ترتيب تحالفاتها بين الدول الساحلية المنسحبة من “إيكواس” والدول الساحلية الديمقراطية التي لا تزال ملتزمة بمساراتها الدستورية.
فاستقرار قمة السلطة في داكار، من هذا المنظور، ليس شأناً سنغالياً محضاً؛ بل أحد المتغيرات التي تراقبها العواصم الإفريقية المجاورة بحذر، كونها مؤشراً على مدى صمود النموذج الديمقراطي المدني في منطقة يتزايد فيها إغراء الحلول الاستثنائية.
أيّ مسار ينتظر حزب كييراي؟
بين هذه القراءات المختلفة سابقة الذكر، يبقى سؤال المصير هو الأهم؛ إذْ تكتفي كل زاوية تأطير برصد ما تراه الآن، ولا يزال الجواب عن وجهة حزب كييراي غير محسوم؛ بل مرهوناً بمسارات اربعة متداخلة يصعب الفصل بينها، وهي.
أولها استمرار توازن حذر بين مركزي السلطة، يحافظ فيه فاي على مركزيته الدستورية بينما يواصل سونكو إدارة أغلبيته البرلمانية، دون أن يتطور التنافس إلى قطيعة مفتوحة قبل الاستحقاقات المحلية لعام 2027.
ثانيها احتمال تصاعد الاستقطاب إذا فُسّر استمرار الغموض حول وضع فاي داخل “باستيف” كمحاولة التفاف على مؤسسات الحزب الأم، وهو ما قد يدفع نحو مواجهة أكثر حدة داخل البرلمان. ومما يزيد من حساسية هذا المسار أن ثمة سابقتين تشريعيتين قريبتين تكشفان عن طبيعة الصراع المؤسسي القائم. فقبل أيام من الإقالة، أقر البرلمان تعديلاً على قانون الانتخابات رغم تحفظ الرئيس فاي على توقيته وإجرائه؛ لكنه اضطر في النهاية إلى تصديقه بعد مطالبة البرلمان بقراءة ثانية.
وبعد الإقالة، وفي تطور مثير، أعلن المجلس الدستوري في 9 يوليو 2026 عدم دستورية الإصلاح المؤسسي الذي تقدم به سونكو ونواب حزبه باستيف، والذي كان يهدف إلى إعادة تعريف صلاحيات المؤسسات في الدستور. وقد استند المجلس في قراره إلى عيبين واضحان، وهما: غياب آلية تمويل للمحكمة الدستورية المقترحة، وخرق الإجراءات البرلمانية عند مناقشة تعديلات الحكومة.
هذه السوابق المتتالية تكشف عن واقع جديد، ألا وهو: أنّ حزب باستيف قادر على تمرير تشريعات عبر أغلبيته البرلمانية؛ لكن الرئاسة تملك بدورها أدوات دستورية لمراجعتها وإبطالها. إنه ليس صراعاً على القوانين فحسب؛ بل اختبار لحدود كل مركز من مركزي القوة في الجمهورية.
أما ثالث هذه المسارات، وربما أكثرها حسماً على المدى الأبعد، فهو أن يتحول حزب كييراي تدريجياً، عبر جولته التنظيمية الوطنية ومؤتمره العام المرتقب، إلى قوة سياسية مستقلة قادرة على خوض الاستحقاق الرئاسي لعام 2029 بذاتها، وليس بوصفه امتداداً لشخص الرئيس فحسب.
الخاتمة
بين الفندق الذي شهد الإعلان في داكار والمسافة الرمزية التي فصلت تلك الليلة عن سنوات الشراكة مع عثمان سونكو، لا يقف حزب كييراي اليوم عند مفترق طرق حزبي محض، بل عند تقاطع ثلاثة اختبارات متزامنة، وهي: اختبار مؤسسي يتعلق بقدرته على تجاوز مفارقة الجمع بين رئاسة الدولة وقيادة الحزب، واختبار سياسي يتعلق بإدارة الازدواجية القائمة بين شرعيته الدستورية الناشئة وشرعية “باستيف” البرلمانية الراسخة، واختبار إقليمي أوسع يتعلق بقدرة السنغال على احتواء هذا الصراع داخل الأطر المدنية وحدها، في محيط غرب إفريقي بات يعرف الانزلاق نحو الحلول الاستثنائية أكثر مما يعرف حل الأزمات عبر صناديق الاقتراع والمؤسسات.
وفي ضوء هذه الاختبارات الثلاثة، تميل قراءة أفريكا تريندز إلى اعتبار أنّ المحك الحقيقي لن يكون في الأسماء أو الشعارات بقدر ما يكمن في مدى قدرة حزب كييراي على تحويل زخم التأسيس إلى أداء مؤسسي فعلي قبل استحقاق 2027 المحلي، إذْ إنّ أيّ تعثر في هذا التحول قد لا يضعف موقع فاي وحده؛ بل قد يهدد الصورة الأوسع للسنغال بصفتها إحدى النماذج القليلة الباقية للاستقرار الديمقراطي المدني في المنطقة.
فما يُختبر اليوم في داكار لا يقتصر على مصير حزب واحد أو مستقبل تحالف سياسي بعينه؛ بل يتصل بقدرة التجربة الديمقراطية السنغالية على إثبات أن الخلافات في قمة السلطة يمكن إدارتها من خلال التعددية الحزبية والمؤسسات الدستورية والانتخابات، وليس عبر تقويض قواعد اللعبة السياسية، أو امتطاء الدبابات واستعراض العضلات بالبدلات العسكرية، مهما تعددت الحجج والمبررات.
وبقدر ما يكرس حزب كييراي قطيعة تنظيمية، فإنه قد يقدم أيضاً، بشكل غير مباشر، قراءة مضادة لرواية “الخيانة” التي هيمنت على الخطاب السياسي بعد الإقالة. فالرئيس الذي يؤسس حزبه الخاص بعد شهرين من إنهاء شراكته السياسية لا يمارس “غدراً” سياسيا بقدر ما يعلن ببساطة عنْ أنّ مشروعه السياسي لم يعد قابلاً للاحتواء في إطار حليف سابق لم يتسع لهما قصر الرئاسة.
فما يُختبر اليوم في داكار لا يقتصر على مصير حزب واحد أو مستقبل تحالف سياسي بعينه؛ بل يتصل بقدرة التجربة الديمقراطية السنغالية على إثبات أن الخلافات في قمة السلطة يمكن إدارتها عبر التعددية الحزبية والمؤسسات الدستورية وصناديق الاقتراع، وليس بتقويض قواعد اللعبة السياسية، أو امتطاء الدبابات واستعراض القوة من خلف البدلات العسكرية، مهما تعددت الحجج والمبررات.
بطاقة حزب كييراي التعريفية
حزب كييراي
الوطنيون الجمهوريون
كلمة "كييراي" تعني في اللغة الولوفية "ما يحمي" أو "الدرع" — ارتبطت في خطاب مؤسسيها بحماية المواطنين والمؤسسات والسيادة والعدالة الاجتماعية، تحت شعار "الوطن أولاً".
فندق كينغ فهد بالاس، داكار
أميناتا توري مشرفة على التأسيس
وبدء إعادة الهيكلة فعلياً منذ نوفمبر 2025
وحوالى 340 عمدة بلدية (أرقام غير مدققة)
"باستيف" يسيطر على 130 من أصل 165 مقعداً
مقالات ذات صلة على أفريكا تريندز:
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






























