تمتلك القارة الإفريقية تاريخًا طويلًا من المؤسسات والممارسات الاقتصادية التي نظمت العمل والإنتاج والتبادل والادخار والتضامن الاجتماعي. فمن فلسفة أوبونتو في جنوب القارة، إلى النفير في السودان وأجزاء من تشاد، وتيويزي في المجتمعات الأمازيغية، وجمعيات الادخار الجماعي المنتشرة في مناطق إفريقية مختلفة، تطورت أشكال متعددة من التنظيم الاقتصادي تقوم على التعاون والثقة والالتزامات المتبادلة.
ومع ذلك، لا تحظى هذه التجارب دائمًا بمكانة واضحة في النظريات الاقتصادية التي تُدرّس وتُستخدم لتفسير النشاط الاقتصادي ووضع السياسات العامة. ويطرح ذلك سؤالًا يتجاوز الاعتزاز بالتراث المحلي، ألا وهو: هل يمكن أن تسهم المفاهيم والمؤسسات الاقتصادية الإفريقية في تطوير نظرية اقتصادية معاصرة، أم أنها تظل ممارسات اجتماعية محدودة يصعب تعميمها؟
وفي هذا المضمار، ناقش الباحث النيجيري أولوواتوسين أدينيي (Oluwatosin Adeniyi)[1] جانبًا أساسيًا من هذه الإشكالية في دراسة بعنوان: “إلى أين تتجه تصورات “الاقتصاديات الأفريقية”؟ أحد عشر مبدأً حول إمكانية (أو استحالة) قيامها” (Whither “African Economics” Imaginaries? Eleven Precepts on Its (Im)possibility)، نشرتها مجلة Africa Spectrum عام 2024.
وتدعو الدراسة إلى إعادة النظر في موقع إفريقيا داخل إنتاج المعرفة الاقتصادية، وتقترح أحد عشر مبدأ يمكن أن يساعد في تأسيس حقل معرفي يُعرف باسم “الاقتصاد الإفريقي (African Economics)”.
إن قراءة هذه الدراسة تتيح فرصة لفهم مبررات المشروع وحدوده، والتمييز بين الدعوة إلى تأصيل المعرفة الاقتصادية وبين المهمة الأكثر تعقيدًا المتمثلة في بناء نموذج اقتصادي قابل للتطبيق.
ولهذه الأهمية، يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية نقدية لهذه الدراسة مستعرضا الإشكالية التي تنطلق منها الدراسة ومبادئها الأحد عشر، ويناقش إسهاماتها وحدودها النظرية والمنهجية، مع تسليط الضوء على الفجوات المتعلقة بالتأصيل التاريخي للفكر الاقتصادي الإفريقي، ودراسة مؤسساته وممارساته المحلية.
كما سيستكشف إمكانية الاستفادة من هذه الفلسفات والمؤسسات في تطوير نموذج اقتصادي معاصر يستجيب لخصوصيات القارة وتحدياتها التنموية، دون الانفصال عن النظريات الاقتصادية السائدة.
أولًا: الاقتصاد الإفريقي بين دراسة الواقع وإنتاج النظرية
يُستخدم تعبير «الاقتصاد الإفريقي» عادة للإشارة إلى الأوضاع والأنشطة الاقتصادية في القارة، بما يشمل النمو والتجارة والاستثمار والتوظيف والمالية العامة. غير أن Adeniyi يطرح معنى مختلفًا؛ فهو يدعو إلى بناء معرفة اقتصادية تنطلق من الواقع التاريخي والاجتماعي والمؤسسي للمجتمعات الإفريقية، بدلًا من الاقتصار على تطبيق نظريات طُورت في بيئات أخرى.
وتنطلق الدراسة من مفهوم التبعية المعرفية (Epistemic Dependence)، أي اعتماد المؤسسات البحثية في إنتاج المعرفة على النظريات والمناهج والأولويات التي تحددها مراكز علمية خارج سياقها المحلي. ويرى الباحث أن هذه التبعية تظهر في ثلاثة مجالات مترابطة.
أولها التنظير الاقتصادي؛ حيث تقوم بعض النماذج السائدة على افتراضات بشأن السلوك الفردي قد لا تعطي العلاقات المجتمعية والالتزامات المتبادلة الاهتمام الكافي. وثانيها البحث العلمي، إذْ يشير إلى محدودية مشاركة المؤسسات والباحثين الأفارقة في صياغة بعض النقاشات الاقتصادية المؤثرة. أما ثالثها فيتعلق بصنع السياسات العامة؛ حيث قد يؤدي الاعتماد غير النقدي على توصيات خارجية إلى إغفال الخصائص المؤسسية والاجتماعية للاقتصادات المحلية.
ومع ذلك، فإن نشأة نظرية اقتصادية خارج إفريقيا لا تعني بالضرورة عدم صلاحيتها لتفسير واقع القارة. فالقيمة العلمية لأيّ نظرية تتحدد بقدرتها على تفسير الظواهر وتقديم نتائج قابلة للتحقق، وليس بالهوية الجغرافية لمؤسسها.
ومن هنا، فإن القضية الأساسية ليست استبدال المعرفة الاقتصادية العالمية بمعرفة محلية مغلقة؛ بل توسيع نطاق النظرية الاقتصادية بحيث تستوعب تجارب ومؤسسات لم تحظَ بالاهتمام الكافي.
ثانيًا: المبادئ الأحد عشر لتأسيس اقتصاد إفريقي
يقدم الباحث (Adeniyi) أحد عشر مبدأ إرشاديًا لتطوير هذا الحقل المعرفي. ونجدر الإشارة هنا إلى أنه يصوغها بصورة تحدد ما ينبغي ألا يكون عليه الاقتصاد الإفريقي، بدلًا من اقتراح نظام اقتصادي مكتمل منذ البداية.
ويمكن تجميع هذه المبادئ في أربعة محاور أساسية علر النحو التالي:
- التعددية الفكرية والمنهجية: يدعو الباحث إلى عدم حصر التحليل الاقتصادي في مدرسة نظرية واحدة أو الاعتماد المفرط على النماذج الرياضية. ويؤكد على أهمية المناهج المختلطة (Mixed Methods)، التي تجمع بين الأدلة الكمية، مثل: الإحصاءات والبيانات الاقتصادية، والأدلة النوعية، مثل المقابلات والدراسات التاريخية والملاحظات الميدانية.
- الانفتاح بين التخصصات: يدعو إلى الاستفادة من التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والفلسفة لفهم النشاط الاقتصادي. فالأنثروبولوجيا الاقتصادية، مثلًا، تدرس كيفية تنظيم المجتمعات للإنتاج والتبادل والاستهلاك وعلاقة هذه الأنشطة بالعادات والمؤسسات الاجتماعية.
- التنوع الثقافي واللغوي: يؤكد الباحث على ضرورة تجاوز الحدود اللغوية التي تفصل الأدبيات الإنجليزية عن العربية والفرنسية والبرتغالية واللغات الإفريقية المحلية. كما يرفض اختزال التجربة الإفريقية في ثقافة موحدة أو اعتبارها منفصلة عن التطورات الاقتصادية العالمية.
- العدالة الاقتصادية ودور الدولة: يدعو الكاتب إلى الاعتراف بالدور التنموي للمؤسسات العامة، وعدم جعل الكفاءة الاقتصادية المعيار الوحيد لتقييم السياسات. فالكفاءة، التي تتعلق بحسن استخدام الموارد لتحقيق النتائج، ينبغي أن تُناقش إلى جانب العدالة الاقتصادية والقدرة على مواجهة الأزمات والاستدامة البيئية.
وتتميز هذه المبادئ بأنها تفتح المجال أمام تعددية حقيقية في التفكير الاقتصادي؛ لكنها في الوقت ذاته تُظهر إحدى محدوديات الدراسة؛ فمعظمها يتعلق بكيفية إنتاج المعرفة الاقتصادية وتنظيم البحث العلمي، أكثر من تعلقه بالقواعد التي ينبغي أن تحكم الإنتاج والملكية والتمويل والتبادل والتوزيع.
وهذا التمييز مهم جدّاً؛ لأن تأسيس حقل أكاديمي باسم الاقتصاد الإفريقي ليس بالضرورة مرادفًا لبناء نموذج اقتصادي مستقل.
ثالثًا: ما الذي تضيفه الدراسة إلى الفكر الاقتصادي الإفريقي؟
يُعَدّ الإسهام الأساسي للدراسة في تحويل النقاش من تساؤلات تتعلق بمدى ملاءمة النظريات الاقتصادية لإفريقيا إلى تساؤل عن قدرة القارة على الإسهام في إنتاج النظرية الاقتصادية نفسها.
ويستعين الأستاذ Adeniyi بتجربة علم النفس الإفريقي لتوضيح كيف يمكن لحقل معرفي أن يطور خصوصيته من خلال النقاش المستمر بين الباحثين، دون الحاجة إلى اتفاق كامل حول جميع مفاهيمه ومناهجه.
وتكتسب هذه المقارنة أهميتها من رفضها فكرة أن تأسيس معرفة إفريقية يقتضي الانفصال عن المدارس الأخرى. فالمعرفة عملية تراكمية٫ والتقدم العلمي يقوم على الحوار والنقد والمراجعة، ويمكن للتجارب المحلية أن تثري النظريات العالمية بدلًا من أن تنافسها على أساس الهوية وحدها.
لكن هذه الدعوة ليست الأولى من نوعها. فقد تناول المفكر الكاميروني فابيان إيبوسي بولاغا (Fabien Eboussi Boulaga)[2] عام 2015 الأسس الفلسفية لإمكان التفكير في الاقتصاد بصفته علمًا إفريقيًا. كما قدم الفيلسوف ثاديوس ميتز (Thaddeus Metz)[3] عام 2020 معالجة للعدالة الاقتصادية من منظور العلاقات الإنسانية المستمدة من بعض التقاليد الفلسفية الإفريقية.
ويعني ذلك أن دراسة Adeniyi تأتي ضمن مسار فكري قائم أصلا؛ لكنها وتتميز بمحاولتها تحديد المبادئ الأكاديمية اللازمة لتطويره، وليس بتقديم أول تصور لفكر اقتصادي إفريقي.
رابعًا: الفجوة بين الفلسفة الاقتصادية والممارسة الفعلية
إذا كانت الدراسة نجحت في توضيح الحاجة إلى إعادة التفكير في المعرفة الاقتصادية، فإن السؤال الذي تتركه مفتوحًا يتعلق بمضمون الاقتصاد الإفريقي نفسه.
فما المفاهيم والمؤسسات التي يمكن أن تشكل أساسه؟ وكيف تُنظم الموارد والعمل والتمويل والتبادل في المجتمعات الإفريقية؟ وهل توجد مبادئ مشتركة بينها تسمح باشتقاق نموذج اقتصادي أوسع؟ لأنّ الممارسات المحلية الإفريقية تقدم مدخلًا مهمًا للإجابة عن هذه الأسئلة.
ففي إفريقيا الجنوبية، تقوم فلسفة أوبونتو (Ubuntu) على تصور أخلاقي يربط إنسانية الفرد بعلاقاته بالآخرين ومسؤولياته تجاه المجتمع. ويمكن الاستفادة من هذا التصور في مناقشة طبيعة الإنسان الاقتصادي، ودور التضامن، ومعايير العدالة والرفاه.
وفي السودان وأجزاء من تشاد، يُستخدم مصطلح ” النفير” للدلالة على التعبئة الجماعية للعمل أو المساعدة في إنجاز مهام تتجاوز أحيانًا قدرة الفرد أو الأسرة، خصوصًا في الأنشطة الزراعية والرعي ومواجهة الأزمات. ويمكن دراسته اقتصاديًا بصفته آلية لتعبئة العمل وتقاسم الأعباء، مع الحاجة إلى مزيد من التوثيق الميداني لانتشاره وقواعده في المجتمعات المختلفة.
وفي شمال إفريقيا، يُعدّ مصطلح تيويزي (Tiwizi) في بعض المجتمعات الأمازيغية تقليدًا للعمل التعاوني، بينما توفر جمعيات نجانغي (Njangi) في الكاميرون، وإكوب (Equb) في إثيوبيا، أمثلة على عملية تعبئة الادخار والتمويل الجماعي.
وتلتقي هذه المؤسسات في اعتمادها بدرجات متفاوتة على الثقة والتعاون والمعاملة بالمثل؛ أي توقع تبادل المنافع أو المساعدة بين المشاركين؛ لكنها تختلف في أصولها التاريخية وقواعدها ووظائفها الاقتصادية.
ولهذا لا يصح اعتبارها تطبيقات مباشرة لفلسفة واحدة، وإنما مؤسسات متنوعة يمكن تحليلها ومقارنتها لاستخلاص أنماط التنظيم الاقتصادي التي تقوم عليها.
وتبرز هنا أهمية الاقتصاد المؤسسي (Institutional Economics)، وهو اتجاه يدرس تأثير القوانين والأعراف والقواعد الرسمية وغير الرسمية في السلوك الاقتصادي. فمن خلاله يمكن فهم المؤسسات المحلية باعتبارها ترتيبات تنظم الموارد والحوافز والالتزامات، لا مجرد ممارسات اجتماعية تقع خارج الاقتصاد الحديث.
خامسًا: من الاقتصاد غير الرسمي إلى النموذج الاقتصادي المعاصر
غالبًا ما تُدرس المؤسسات الاقتصادية المجتمعية ضمن الاقتصاد غير الرسمي (Informal Economy)، الذي يشمل أنشطة ووحدات اقتصادية لا تغطيها الترتيبات الرسمية أو لا تغطيها بصورة كافية؛ إلا أن حصر الممارسات الإفريقية التقليدية في هذا الإطار قد يحجب بعض خصائصها.
فالنفير، مثلًا، قد لا يقوم على عقد عمل مسجل؛ لكنه قد يخضع لقواعد عرفية واضحة بشأن المشاركة والالتزام والمساعدة المتبادلة. وكذلك قد تعتمد بعض جمعيات الادخار على أنظمة دقيقة لتحديد المساهمات ومواعيد صرف الأموال والمسؤوليات بين الأعضاء.
وبذلك، فإن النشاط الاقتصادي الذي يبدو غير رسمي من منظور الدولة قد يكون منظمًا اجتماعيًا ومؤسسيًا. وعليه، ستفتح هذه الملاحظة مجالًا لدراسة العلاقات بين المؤسسات المجتمعية والأسواق الحديثة، وإمكان تطوير بعض وظائفها ضمن أطر قانونية وتنظيمية مناسبة.
لكن ينبغي تجنب النظرة المثالية إلى هذه الممارسات؛ فالتضامن لا يضمن دائمًا الكفاءة، كما أن الروابط المجتمعية قد تولد ضغوطًا على الأفراد أو تفضيلًا للأقارب وأعضاء الجماعة على غيرهم.
ومن ثم، فإن دراسة المؤسسات الاقتصادية الإفريقية يجب أن تتناول منافعها وتكاليفها وحدودها، وليس أن تفترض تفوقها على المؤسسات الحديثة.
سادسًا: هل يمكن استخلاص نموذج اقتصادي إفريقي متميز؟
هذا هو السؤال الذي يمكن أن تنطلق منه الدراسات اللاحقة لأعمال الأستاذ أولوواتوسين أدينيي (Oluwatosin Adeniyi). فالنموذج الاقتصادي لا يتحدد بمجموعة من القيم الأخلاقية وحدها، وإنما يحتاج إلى قواعد تفسر كيفية اتخاذ القرارات الاقتصادية وتخصيص الموارد وتكوين الثروة وتوزيعها.
ولذلك، فإن أي محاولة لبناء نموذج اقتصادي إفريقي معاصر ينبغي أن تتناول قضايا رئيسة، مثل.
- أولًا، الإنسان الاقتصادي: كيف تؤثر المصلحة الفردية والعلاقات الاجتماعية والالتزامات المتبادلة في قرارات العمل والادخار والاستهلاك والاستثمار؟
- ثانيًا، الإنتاج والملكية: ما الدور الممكن للملكية الفردية والتعاونية والمجتمعية والعامة؟ وكيف يمكن الجمع بين التعاون ورفع الإنتاجية والابتكار؟
- ثالثًا، الأسواق والتمويل: كيف يمكن الاستفادة من مؤسسات الادخار والتمويل المجتمعي في توسيع الشمول المالي، دون إضعاف حماية المدخرات أو كفاءة تخصيص رأس المال؟
- رابعًا، التوزيع والحماية الاجتماعية: كيف يمكن تطوير آليات لتقاسم المخاطر ومساعدة الفئات الأكثر هشاشة، مع الحفاظ على حقوق الأفراد وحوافز العمل؟
- خامسًا، الدولة والتنمية: كيف تتكامل المؤسسات المجتمعية مع القطاع الخاص والدولة في توفير الخدمات العامة والبنية التحتية وتحقيق التحول الاقتصادي؟
ولا تكمن أصالة النموذج بالضرورة في رفض الرأسمالية أو الاشتراكية، أو في تقديم نظام مغلق ينافسهما. لكن قد تكمن قيمته في تطوير تصور مؤسسي يدمج الآليات الاقتصادية التي أثبتت جدواها مع المبادئ المستمدة من التجارب الإفريقية. فإثبات هذه القيمة يتطلب مقارنة منهجية مع النظريات القائمة، واختبار النتائج بدلًا من الاكتفاء بالإعلان عن تميز ثقافي أو تاريخي.
سابعًا: نحو أجندة بحثية للاقتصاد الإفريقي
تكشف القراءة النقدية لدراسة أولوواتوسين أدينيي عن فجوة بين الدعوة إلى تأسيس الاقتصاد الإفريقي كمجال معرفيٍّ وبين تقديم الأسس التاريخية والنظرية والمؤسسية اللازمة لتطويره. ولسد هذه الفجوة، تبدو الحاجة قائمة إلى برنامج بحثي متعدد المراحل.
تبدأ المرحلة الأولى بمسح تاريخي ولغوي للمفاهيم والمؤسسات الاقتصادية في مناطق إفريقيا المختلفة، يشمل المصادر المكتوبة والتقاليد الشفهية والأبحاث الميدانية.
وتنتقل المرحلة الثانية إلى تحليل هذه المؤسسات ومقارنتها، من حيث تنظيم العمل والملكية والتمويل والتوزيع وإدارة الموارد والمخاطر.
أما المرحلة الثالثة، فتتمثل في محاولة استخلاص مبادئ وآليات اقتصادية محددة، وتطوير فرضيات قابلة للاختبار بشأن تأثير التعاون والثقة والمؤسسات المجتمعية في الإنتاجية والرفاه والقدرة على مواجهة الصدمات.
وتخصص المرحلة الرابعة لتقييم إمكان دمج النتائج في نموذج اقتصادي معاصر، يراعي التنوع المؤسسي داخل القارة، ويستفيد من المعارف الاقتصادية العالمية بدلًا من الانفصال عنها.
وقد تكشف هذه العملية عن أسس مشتركة تسمح ببناء نموذج اقتصادي متميز، أو عن مجموعة من النماذج المحلية التي تختلف بحسب الظروف التاريخية والمؤسسية. وفي الحالتين، ستكون النتيجة ذات قيمة علمية إذا قامت على أدلة واضحة ومنهجية قابلة للمراجعة.
خاتمة: من الدعوة إلى الاقتصاد الإفريقي إلى بناء أسسه
تطرح دراسة Adeniyi (2024) سؤالًا مهمًا حول موقع إفريقيا في إنتاج المعرفة الاقتصادية، وتؤكد ضرورة تجاوز الدور الذي يقتصر على تطبيق النظريات وتوفير البيانات لاختبارها.
وتتمثل قوتها في الدفاع عن التعددية العلمية والانفتاح على التجارب المحلية وإعادة توجيه البحث الاقتصادي نحو احتياجات المجتمعات الإفريقية. أما محدوديتها الأساسية، فتتمثل في أنها لا تقدم نظرية أو نموذجًا اقتصاديًا مكتملًا، وهي مهمة يقر الباحث نفسه بأنها تتجاوز نطاق الدراسة.
ومن هنا، لا ينبغي أن ينصرف النقاش إلى إثبات أن إفريقيا تمتلك تاريخًا من التعاون والتضامن الاقتصادي؛ فوجود هذا التراث لا يمثل في ذاته دليلًا على صلاحية نموذج اقتصادي جديد.
المهمة الأعمق هي دراسة كيفية نشأة المؤسسات الاقتصادية الإفريقية، والقواعد التي تحكمها، والنتائج التي تحققها، والظروف التي تسمح بتطويرها أو تحد من فاعليتها.
فالسؤال الذي يستحق أن يقود المرحلة المقبلة ليس ما إذا كان من الممكن تسمية حقل معرفي باسم «الاقتصاد الإفريقي»، بل ما إذا كانت التجربة الإفريقية قادرة على الإسهام في بناء نظرية اقتصادية تقدم تفسيرًا أفضل لبعض الظواهر، وحلولًا مؤسسية قابلة للتطبيق داخل القارة وخارجها.
وفي هذا الانتقال من الهوية المعرفية إلى البناء النظري والاختبار العملي تكمن الفرصة الحقيقية لتطوير الفكر الاقتصادي الإفريقي.
الهوامش والمراجع
[1] أولوواتوسين أدينيي (Oluwatosin Adeniyi)، باحث اقتصادي نيجيري في جامعة إبادان (University of Ibadan)، ومؤلف دراسة «نحو تصورات للاقتصاد الإفريقي: أحد عشر مبدأ بشأن إمكانية تأسيسه» (2024).
[2] فابيان إيبوسي بولاغا (Fabien Eboussi Boulaga)، فيلسوف ومفكر كاميروني (1934–2018).
[3] ثاديوس ميتز (Thaddeus Metz)، فيلسوف متخصص في الفلسفة الأخلاقية والسياسية الإفريقية، وله إسهامات بارزة في فلسفة أوبونتو والعدالة الاقتصادية العلائقية.
Adeniyi, O. (2024). Whither “African Economics” imaginaries? Eleven precepts on its (im)possibility. Africa Spectrum, 59(2), 157–179. https://doi.org/10.1177/00020397241262795
Eboussi Boulaga, F. (2015). Prolegomena to economics as an African science: A philosophical meditation. In C. Monga & J. Y. Lin (Eds.), The Oxford handbook of Africa and economics: Volume 1. Context and concepts. Oxford University Press. https://doi.org/10.1093/oxfordhb/9780199687114.013.31
Metz, T. (2020). Relational normative economics: An African approach to justice. Ethical Perspectives, 27(1), 35–68. https://doi.org/10.2143/EP.27.1.3288828
International Labour Organization. (2023). Resolution concerning statistics on the informal economy. 21st International Conference of Labour Statisticians. https://ilostat.ilo.org/standards/definitions/informal-economy/
ملاحظة تحريرية: يستند عرض المبادئ الأحد عشر إلى دراسة Adeniyi الأصلية، بينما يمثل تحليل المؤسسات الاقتصادية الإفريقية والفجوات البحثية والآفاق المستقبلية قراءة نقدية موسعة، لا نتائج تجريبية توصلت إليها الدراسة نفسها.
اكتشاف المزيد من أفريكا تريند
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.































